تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القبسات — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
أهل السعادة ، وامّا من كان من أهل الشقاء ، فسييسّر لعمل الشّقوّة . ثمّ قرأ :
« فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى »
الآية . وسئل ، عليه السّلام : أنحن في امر فرغ منه ، أم في امر مستأنف ؟ فقال ، عليه وآله صلوات اللّه وملائكته : في امر فرغ منه وفي امر مستأنف . قال علّامة المتشكّكين وامامهم في التفسير الكبير : فان قال قائل : ألستم تزعمون انّ المقادير سابقة ، قد جفّ بها القلم ، وليس الامر يأنف ؟ فكيف يستقيم ، مع هذا المعنى ، المحو والاثبات ؟ قلنا : ذلك المحو والاثبات أيضا ممّا جفّ به القلم . فلا يمحو الا ما سبق في علمه ، وقضائه محوه . ثمّ قال : العرب تسمّى كلّ ما يجرى مجرى الأصل للشئ « امّا » له ، ومنه امّ الرأس للدماغ وامّ القرى لمكّة ، وكلّ مدينة فهي امّ لما حولها من القرى ، وكذلك امّ الكتاب ، هو الّذي يكون أصلا لجميع الكتب . وفيه قولان . الاوّل انّ امّ الكتاب هو اللّوح المحفوظ ، وجميع حوادث العالم العلوىّ والسفلىّ مثبت فيه . عن النبي ، عليه السّلام ، انّه قال : كان اللّه ولا شئ . ثمّ خلق اللوح المحفوظ ، وأثبت فيه أحوال جميع الخلق إلى قيام القيامة : وعلى هذا التقدير ، فعند اللّه كتابان ، أحدهما الكتاب الّذي تكتبه الملائكة على الخلق ، وذلك الكتاب محلّ المحو والاثبات ، والكتاب الثاني ، هو اللوح المحفوظ ، وهو كتاب مشتمل على نقش جميع الأحوال العلويّة والسفليّة ، وهو الباقي . روى أبو الدرداء عن النبي عليه وآله السّلام ، انّ اللّه تعالى ، في ثلاث ساعات بقين من الليل ، ينظر في الكتاب الّذي لا ينظر فيه غيره ، فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء . وللحكماء ، في تفسير هذين الكتابين ، كلمات عجيبة واسرار غامضة . والقول الثاني انّ امّ الكتاب ، هو علم اللّه تعالى بجميع المعلومات ، من الموجودات والمعدومات ، فانّها ، وان تغيّرت ، الّا انّ علم اللّه تعالى بها باق ، منزّه عن التغيّر . فالمراد ب « امّ الكتاب » هو ذلك . انتهى ما قاله بعبارته . قلت : فاذن ، اللوح المحفوظ كتاب نظام الوجود من الصدر إلى الساقة ، وهو كتاب اللّه المبين الّذي ما من رطب ولا يابس لعوالم الوجود ، الّا وهو فيه ، وهو الدهر . ولا يحيط