تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القبسات — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
تؤمّل فيها اندفع ما ذهب اليه أبو البركات ، من انّ الزمان مقدار الوجود حيث قال : انّ الباقي لا يتصوّر بقاؤه الّا في زمان ، وما لا يكون حصوله في الزمان ويكون باقيا ، لا بدّ ان يكون لبقائه مقدار من الزمان . انتهى . وبعض من قد يتنطّع من المقلّدين ، قال في رسالة « أنموذج العلوم » : مذهب الحكماء انّ من الموجودات ما هو زمانىّ الوجود ، كالحركة ، ومنها ما هو آنيّ الوجود . بل منها عندهم ما ليس ظرف وجوده الزمان ، ولا الآن ، بل ينسبون وجودها إلى الدهر والسرمد . فانّهم يقولون . نسبة المتغيّر إلى المتغيّر هو الزمان ، ونسبة الثابت إلى المتغيّر هو الدهر ، ونسبة الثابت إلى الثابت هو السرمد ، كما لا يخفى على العارف بقواعدهم . وإذا كان الوجود اعمّ من الأقسام الأربعة فدعوى انحصاره في اثنين منها غير مسموعة . ثمّ قال : تقدّم الواجب تعالى ليس تقدّما زمانيّا ، فانّه ليس في زمان . وهم أيضا ، اى الحكماء ، معترفون بذلك ، فانّهم يقولون انّ المجرّدات ليست في الزمان ، بل في الدهر ، والدهر وعاء الزمان ومحيط به . وكما لا يستلزم نفى الفوق عن الامتداد المكانىّ ، عدم تناهيه ، كذلك لا يستلزم نفى القبل عن الامتداد الزمانىّ ، عدم تناهيه ، فالوقت انّما هو حيث وجد العالم . والتقدّم الزمانىّ والتأخّر الزمانىّ . انّما هو لاجزاء العالم الجسمانىّ بعضها مع بعض . وامّا سوى الأجسام والجسمانيّات ، فليس فيها تقدّم وتاخّر زمانىّ ، كما ليس فيها تقدّم وتاخّر مكانىّ . فكما انّه ليس فوق المحدّد خلأ ولا ملأ ، بناء على انّه لا فوق له ، كذلك ليس قبل العالم وجوده ولا عدمه وقت ، بناء على انّه ليس له قبل . ولا يلزم من ذلك عدم تناهى الزمان ، كما لا يلزم من الاوّل عدم تناهى المكان . بل الزمان متناه ، كما انّ المكان متناه ، من غير فرق . وحكم الوهم بلا تناهى الزمان مثل حكمه بلا تناهى المكان . فكما لا عبرة بحكمه في المكان ، كذلك لا عبرة به في الزمان . وهذا مسلك دقيق سلكه بعض أهل التحقيق ، كالامام حجّة الإسلام ، في بعض تصانيفه ، والشهرستانىّ وعين القضاة وغيرهم من المتكلّمين والصوفيّه ، وأشار اليه في « التجريد » . انتهى .