اذن ، عند البارئ ، جل ذكره ، كاملة تامّة ، زمانيّة كانت أم غير زمانيّة ، وهو عنده دائما ، وكذلك كانت عنده اوّلا ، كما تكون عنده أخيرا .
وقال في الميمر الثالث : فامّا نحن فنقول : انّ اللّه ، عزّ وجل ، علّة للعقل ، والعقل علّة للنفس ، والنفس علّة للطبيعة ، والطبيعة علّة للأكوان كلّها الجزئيّة . غير انّه ، وان كانت الأشياء بعضها علّة لبعض ، فانّ اللّه تعالى علّة لجميعها ، غير انّه علّة لبعضها بغير توسّط ، وهو الّذي جعل العلّة كما قلنا فيما سلف . والدليل على ذلك ما نحن ذاكرون ، إن شاء اللّه ، انّ الشئ بالقوّة لا يكون شيئا بالفعل ، الّا ان يكون بالفعل شئ آخر يخرجه إلى الفعل . والّا ، لم يخرج من القوّة إلى الفعل . لانّ القوّة لا تقدر على أن تصير إلى الفعل من ذاتها ، لانّه إذا لم يكن شيئا بالفعل ، فأين يلقى القوّة بصرها ، واين يأتي ؟ فامّا الشئ الكائن بالفعل ، فانّه إذا أراد ان يخرج شيئا من القوّة ، فانّه انما ينظر إلى نفسه ، لا إلى خارج ، فيخرج تلك القوّة إلى الفعل ، ويبقى هو دائما على حالة واحدة ، لانّه لا حاجة به إلى أن يصير إلى شئ آخر ، إذ هو ما هو بالفعل . وإذا أراد ان يخرج الشئ من القوّة إلى الفعل ، لم يحتج إلى أن ينظر من ذاته إلى خارج ، بل انّما ينظر إلى ذاته ، فيخرج الشئ من القوّة إلى الفعل .
ثم قال : فامّا البارئ ، عزّ وجلّ ، فانّه يحدث انّيّات الأشياء وصورها ، غير انّه يحدث بعض الصور بغير توسّط ، وبعضها بتوسّط . وانّما يحدث انّيّات الأشياء وصورها ، لانّه هو الشئ الكائن بالفعل حقّا ، بل هو الفعل المحض . فإذا فعل ، فانّما ينظر إلى ذاته ، فيفعل فعله دفعة واحدة .
ثم قال : فامّا الفاعل الاوّل ، هو فعل محض ، فانّه انما يفعل فعله وهو ينظر إلى ذاته ، لا إلى خارج منه ، لأنه ليس خارجا منه شئ آخر هو أعلى منه ولا أدنى . فقد بان ، اذن ، وصحّ انّ العقل قبل النفس ، وانّ النّفس قبل الطبيعة ، وانّ الطبيعة قبل الأشياء الواقعة تحت الكون والفساد ، وانّ الفاعل الاوّل قبل الأشياء كلّها ، وانّه مبدع ومتمّم معا ، ليس بين ابداعه واتمامه فرق ولا فصل البتّة .
القبسات — صفحة 98
مساهمون: السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )
ص٩٨