انّهم لمّا أرادوا معرفة الانّيّات الخفيّة ، طلبوها في هذا العالم الحسّىّ ، وذلك انّهم رفضوا الأشياء العقليّة ، واقبلوا على الحسّىّ وحده ، فأرادوا ان ينالوا بالحسّىّ جميع الأشياء الدائرة والدائمة الباقية . فلمّا رآهم قد ضلّوا عن الطريق الّذي يؤدّيهم إلى الحقّ والرشد ، واستولى عليهم الحسّ ، رثا لهم من ذلك وتفضّل عليهم ، وارشدهم إلى الطريق الّذي يؤدّيهم إلى حقايق الأشياء . ففرق بين العقل والحسّ ، وبين طبيعة الانّيّات وبين الأشياء المحسوسة . وصيّر الانّيّات الخفيّة دائمة لا تزول عن حالها ، وصيّر الأشياء الحسّيّة دائرة واقعة تحت الكون والفساد .
فلمّا فرغ من هذا التمييز ، بدأ فقال : انّ علّة الانّيات الخفيّة التي لا اجرام لها ، والأشياء الحسّيّة ذوات الاجرام ، واحدة ، وهي الانّيّة الأولى الحقّ . يعنى بذلك البارئ الخالق سبحانه .
ثمّ قال : انّ البارئ الاوّل الذي هو علّة الانيّات العقليّة الدائمة والانيّات الحسّيّة الداثرة ، هو الخير المحض ، والخير لا يليق بشيء من الأشياء الّا به . وكلّ ما كان في العالم الاعلى والعالم الأسفل ، فليس ذلك من طباعها ، ولا من طباع الانّيّات العقليّة ، ولا من طباع الانّيّات الحسّية الداثرة ، لكنّها من تلك الطبيعة العالية ، وكلّ طبيعة عقليّة وحسّيّة منها بادية . فانّ الخير انّما ينبعث من البارئ في العالمين ، لانّه مبدع الأشياء ، ومنه تنبّث الحياة والأنفس إلى هذا العالم . وانّما يتمسّك هذا العالم بتلك الحياة والأنفس الّتي صارت من العلوّ في هذا العالم .
ثمّ قال : انّ الانّيّة الأولى الحقّ هي الّتي تفيض على العقل الحياة اوّلا ، ثمّ على النفس ، ثمّ على الأشياء الطبيعيّة . وهو البارئ الّذي هو خير محض .
وما أحسن وأصوب ما وصف هذا الفيلسوف البارئ ، إذ قال : انّه خالق العقل والنفس والطبيعة وساير الأشياء كلّها ، غير انّه لا ينبغي لسامع قول الفيلسوف ، ان ينظر إلى لفظه فيتوهّم عليه انّه قال : انّ البارئ انّما خلق الخلق في زمان . فانّه ، وان توهّم ذلك عليه في ألفاظه وكلامه ، فانّه انّما لفظ بذلك إرادة ان يتبع عادة
القبسات — صفحة 96
مساهمون: السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )
ص٩٦