بالأسر ، بمعنى حدوثه الذاتىّ واستناده في فعليّة الذات إلى العلّة الفاعلة للوجود ، ثبوته بالبرهان اليقينىّ اجماعىّ عند الحكماء ، لا يستنكر كونه من البرهانيّات ، بأوثق البراهين ، أحد ممّن يسلك سبيلهم ، فضلا عن ارسطوطالس واضرابه أو أصحابه . وبمعنى الحدوث الزمانىّ ، اى ان يكون لوجوده بدء زمانىّ مسبوق بزمان سابق وعدم مستمرّ فيه ، وهم كاذب ، ابطاله بسلامة الوجدان من فطريّات العقول ، عند حذّاق العقلاء ومن يسير مسيرهم ، فضلا عن افلاطن وأساتذته أو شركائه . فشئ من ذينك المعنيين لا يصلح لان يتّخذ حريما للخلاف ، ويؤتى به مثالا للمسألة الجدليّة الطرفين الفاقدة في كلا طرفيها للحجّة البرهانيّة ، كما نقل عن التعليم الأول في طونيقا الشفاء .
فاذن لا يعقل الّا ان يكون حريم الخلاف ومثال المسألة الجدليّة الطرفين ، فيما أورده ارسطوطالس ومن يقتاس به ، هو المعنى الثالث ، اعني الحدوث الدهرىّ والاستناد إلى المبدع الصانع المخرج لنظام العالم بجملته من العدم الصريح إلى الوجود في الدهر ، بابطال العدم وابداع الوجود ، دفعة واحدة دهريّة ، لا بمدّة ، ولا عن مادّة ، ولا بآلة وأداة ، ولا بدءوب وحركة . فهذا ما لم ينتظم عليه برهان من سبيل العقل إلى زمننا وعصرنا .
والظانّون بارسطاطالس هذا الظنّ ، دعاهم إلى ظنّهم هذا تصريحاته في كتبه الالهيّة والطبيعيّة ، بانّ الانّيّات الشريفة المبدعة لم يسبقها في الأعيان عدم ، بل انّما مسبوقيّتها بذات الفاعل الاوّل لا غير ، وانّما تاخّرها عن الحق الاوّل سبحانه تاخّر بالذات في المرتبة العقليّة ، وإضافة الفاعل الحقّ إليها بالابداع والايجاد . والكائنة كائنة عن الفاعل الحقّ من بعد لا كونها في الأعيان الخارجة ، ومتأخّرة عنه سبحانه تأخّرا بالذات وتأخّرا بالوجود في الأعيان ، واضافته ، جلّ ذكره ، إليها بالصنع والتكوين . والمبدعات في حيّز السرمد ، والكائنات بالقياس إلى عالم الثبات في حيّز الدهر ، وبقياس بعضها إلى بعض في حيّز الزمان . وانّ الرؤوس الثّلاثة التي عنها الكون ، وهي مبادى الكائنات ، هي الهيولى والصورة والعدم ، لا بزمان ولا بمكان ، ولا اختلاق عليه في شئ من ذلك أصلا .
القبسات — صفحة 29
مساهمون: السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )
ص٢٩