تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القبسات — صفحة 28

مساهمون:

ص٢٨
البيت مثلا ، أو الحيوان الذي يتكوّن اوّلا اوّلا باجزائه ، فانّ اجزاءه يتقدّم بعضها بعضا بالزمان ، والزمان حادث عن حركة الكلّ . فمحال ان يكون لحدوثه بدء زمانىّ . وتصحّح بذلك انّه انما يكون عن ابداع البارئ ، جلّ جلاله ، ايّاه دفعة بلا زمان ، وعن حركته حدث الزمان . ومن نظر في أقاويله الربوبيّة في كتابه المعروف باثولوجيا لم يشتبه عليه امره في اثبات الصانع المبدع لهذا العالم . فان الامر في تلك الأقاويل اظهر من أن يخفى . وهناك يبيّن ان الهيولى أبدعها البارئ ، جلّ ثناؤه ، لا عن شئ ، وانّها تجسّمت عن البارئ سبحانه وعن ارادته ، ثمّ ترتبت . وقد بيّن أيضا في السماع الطبيعىّ ، انّ الكلّ لا يمكن ان يكون حدوثه بالبخت والاتّفاق ، وكذلك في العالم جملة . يقول في كتاب السماء والعالم : ويستدلّ على ذلك بالنظام البديع الذي يوجد لا جزاء العالم بعضها مع بعض . وقد بيّن هناك امر العلل ، وكم هي ، وأثبت العلّة الفاعلة . وقد بيّن هناك أيضا امر المكوّن والمحرّك وانّه غير المكوّن والمتحرّك . وكما انّ افلاطن ، في كتابه المعروف بطيماوس ، بيّن انّ كلّ مكوّن ، فانّما يكون عن علّة مكوّنة له اضطرارا ، وانّ المكوّن لا يكون علّة لكون ذاته ، كذلك ارسطوطالس بيّن في كتاب اثولوجيا ، انّ الواحد موجود في كلّ كثرة . ثمّ ترقّى إلى القول في اجزاء العالم الجسمانيّة منها والرّوحانيّة ، وبيّن بيانا شافيا انّها كلّها حدثت عن ابداع البارئ لها ، وانّه عزّ وجلّ ، هو العلّة الفاعلة الواحد الحقّ مبدع كلّ شئ ، على حسب ما بيّنه افلاطن في كتبه الربوبيّة . هذا ما قاله بألفاظه . ثمّ قال : ولولا انّ هذا الطريق الذي نسلكه في هذه المقالة ، هو الطريق الأوسط ، ومتى ما نكبّناه ، كنّا كما ينهى عن خلق ويأتي بمثله ، لافرطنا في القول وبيّنا انّه ليس لأحد من أهل المذاهب والنّحل والشرائع وسائر الطرائق ، من العلم بحدث العالم واثبات الصانع وتلخيص امر الابداع ، مالارسطاطالس وقبله لافلاطن ولمن يسلك سبيلهما . ونحن نقول : كانّك ، بما أوتيت من صريح العقل ، لا يريبك الوهم انّ حدّث العالم