ومضة
ومن البيانات التنبيهيّة لاثبات الحدوث الدهري ، بحسب سبق سلطان العدم الصريح في متن الواقع ، من غير اعتبار الامتداد واللّاامتداد ، ما أورده الشّيخ أبو البركات في المعتبر ، ناقلا عن الحكماء ، حيث قال : وقالوا لمن طلب مدّة العدم قبل وجود الحادث على سبيل التبصرة والتنبيه ، هل هذه المدّة محدودة مقدّرة بتقدير لا بدّ منه ، مثل يوم أو شهر أو سنة معيّنة ، أو يكفى فيها اىّ مدة كانت ؟ فإنه يقول حينئذ : بل يكفى في حدوث الحادث سبق اىّ مدّة كانت يتقدم فيها العدم ويتبعه الوجود . فيقال : وهل يكتفى التصور والعقل في ذلك بسنة واحدة يتقدم فيها العدم ، ثمّ يتبعه الوجود ؟ فيقول : نعم . فيقال : ان كان بدل السّنة شهر واحد ، فهل يكفى أم لا ؟ فهو لا محالة يكتفى بالشهر ، كما اكتفى بالسنة . ثم ينتقل في السؤال إلى يوم وإلى ساعة ودرجة من ساعة ودقيقة من درجة . فينبّه بذلك حينئذ على أن الزمان لا تأثير له في الحدث ، لان المؤثر لا يكون كثيره في التأثير مثل قليله ، وانما يكون كلّ التأثير لكلّ الأثر . فإذا ارتفع بعض الزمان المفروض للحدوث ولم يرتفع شيء من معنى الحدث .
فرفع جميع الزمان لا يرفع الحدث . وانما يؤثر في ضعف التصور ، حتى أن كان تقدم الزمان لا محالة تحقق الحدث ، وان ارتفع لم يرتفع . انتهى ما نقله عن الحكماء بعبارته .
ومضة
أليس انما يصحّ الامتداد واللاامتداد والانقسام واللّاانقسام والتقدّر واللّاتقدّر في الكميّات المتّصلة القارّة ومبدأها ، اعني الجسم والسّطح والخطّ والنقطة ، وفي الكمّيّة المتّصلة الغير القارّة وطرفها ، اعني الزمان والان ؟ والوجود بما هو وجود ، والعدم بما هو عدم ، ليسا من ذلك كلّه في شئ ، فلا يتصحّح فيهما شئ من ذلك أصلا ، الّا بالعرض ، من جهة المعروض ، إذا ما كان داخلا في جنس التقدّر واللّاتقدّر ، ومن حيث عروض الانطباق على المتقدّر أو على غير المتقدّر ، إذا ما عرضت هناك مقارنة انطباقيّة ، تؤول لا محالة إلى فيئيّته . وأيضا ، تلك الشؤون من عوارض الهيولى وعلائقها .
فما لا تكتنفه علائق المادّة وغواشيها ، يكون متقدّسا لا محالة عن ذلك كلّه .