في هذا الاتّجاه وحاولوا الجمع بين الدّين والفلسفة في ما تركوه من آثار ورسائل « 1 » ؛ وقد استدلّوا في كتبهم بالآيات القرآنية والأحاديث النّبويّة لتأييد مقولاتهم ومجادلة علماء الكلام والرّد عليهم . وأمّا لجهة دخول عنصر التّصوّف ( - العرفان ) في المباحث الفلسفيّة من قبل الفلاسفة والمتكلّمين ، فذلك راجع إلى أنّ جهود الصّوفيّة « - العرفاء » وأبحاثهم في مسألة الوجود وما يتعلّق بها أكثر أهميّة وأوسع نطاقا ، ولهم فيها نظرات دقيقة كما أنّ بين الفريقين أعني : الفلاسفة والصّوفية ( - العرفاء ) تشابها في مسألة الوجود ما لا يوجد في غيرها من المسائل ، إلّا أنّ الفلاسفة تنظر إلى قضيّة الوجود بمنظار الاستدلال والبرهان ، بينما الصّوفية ( أهل العرفان ) يرونها من طريق الكشف والمشاهدة . والعجيب أنّ ابن سينا قد أخذ بوجهة نظر الصّوفية ( - العرفاء ) فوضع النّمط التّاسع من كتابه « الإشارات والتّنبيهات » في بيان مقامات العارفين « 2 » ، وربما كان السّبب في ذلك أنّ ابن سينا كان على صلة وثيقة ببعض مشاهير الصّوفية ( - العرفاء ) في عصره كأبي سعيد بن أبي الخير ( ت : 440 ه ) وكانت بينهما مراسلات حول المسائل الفلسفيّة والمنطقيّة « 3 » ، كما يمكن أن يكون السّبب هو رغبته في التأثير على منهج الصّوفيّة بجرّهم إلى طريق البرهان والدّليل ، عوضا عن الكشف والمشاهدة ، مبرهنا بذلك أنّ من الممكن أن نسلك في مسائل التّصوّف ( - العرفان ) أيضا مناهج الفلاسفة الاستدلاليّة . ومن الجائز أيضا أن تكون هذه الاتّصالات الّتي جرت بين الفلاسفة وبين المتكلمين والصّوفيّة ( - العرفاء ) ناشئة من دخول عناصر غير فلسفيّة فيها ، وكانت سببا لسلوك هذه الطّريقة في التّأليف والتّعليق بين المعارف المختلفة في الحضارة الاسلاميّة . لا حظنا في الفصل السّابع أنّ سلسلة الفلاسفة المسلمين من بعد ابن سينا تستمرّ حتّى زمان خواجة نصير الدّين الطّوسى من طريق أبي العباس اللّوكرى الذي انتشرت منه الحكمة في خراسان « 4 » .
بيان الحق بضمان الصدق ( العلم الإلهي ) — صفحة مقدمه 80
مساهمون: أبو العباس فضل بن محمد اللوكري
صمقدمه ٨٠
هامش
( 1 ) - راجع : تاريخ الفلسفة في الإسلام ، أبو ريده ، ص 121 ، 150 .
( 2 ) - راجع : الإشارات ، تحقيق سليمان دنيا ، بيروت ، ص 789 .
( 3 ) - راجع : حاشية « تهذيب المنطق » لعبد اللّه اليزدي ، طبعة طهران ، 1306 ه ، ص 125 .
( 4 ) - راجع : تتمّة صوان الحكمة ، ص 121 - 122 .