الأوّل . فذهب إلى أنّ الصّادر الأوّل الذي هو أعلى في المرتبة بما أنّه يعقل الأوّل يجب عنه وجود عقل آخر دونه وبما يعقل ذاته يجب عنه النّفس الفلكيّة ، وبما هو أنّه ذو مادّة يجب عنه جرم الفلك وجرم الفلك صادر عنه بتوسط النّفس الفلكيّة فإنّ كلّ صورة فهي علّة لأنّ يكون مادّتها بالفعل وهكذا تحت كلّ فلك عقل بمادّته وصورته الّتي هي النّفس وهلمّ جرا . ولا يخفى أنّ المفارقات كلّها ممكنة الوجود وكلّ ممكن زوج تركيبي ففيها كثرة وصدور الكثرة عن الصّادرات الأوّليّة من حيثيّاتها الامكانيّة فلا منافاة بينها وبين قاعدة « الواحد لا يصدر عنه إلّا الواحد » فنرى أنّ المؤلّف يتّفق أستاذه ابن سينا في ذلك تمام الاتّفاق ، ومجمل ما قاله ابن سينا فقد أورده الأستاذ إبراهيم مدكور في مقدّمته على إلهيّات الشّفاء ما نصّه : فيقول ( أي : ابن سينا ) بالصّدور ليبيّن الصّلة بين اللّه والعالم ، ويفسّر الخلق والابداع ؛ وما دام واجب الوجود عقلا محضا ، فهو يعقل ذاته ، ويعقل ضرورة صدور الكلّ عنه ، تعقّله علّة للوجود ، وأوّل موجود صدر عنه هو العقل الأوّل ، وهو ممكن بذاته ، واجب الوجود بغيره ، ولا يمكن أن يصدر عنه إلّا جوهر مفارق واحد ، لأنّه هو نفسه واحد من كلّ الجهات . وعند العقل الأوّل تبدأ الكثرة : فبتعقّله الواجب الوجود يصدر عنه العقل الثّاني ، وبتعقّله لذاته من ناحية أنّه واجب الوجود بغيره تفيض عنه نفس فلكيّة ، ومن ناحية أنّه ممكن الوجود يفيض عنه الفلك الأقصى ، وهكذا حتّى نصل إلى العقل العاشر ، أو العقل الفعّال الذي يدبّر عالم الأرض . وتصدر عنه الهيولي الأولى وصورها المختلفة ، بما فيها النّفوس البشريّة ، ولذا سمّى « واهب الصّور » « 1 » .
بيان الحق بضمان الصدق ( العلم الإلهي ) — صفحة مقدمه 69
مساهمون: أبو العباس فضل بن محمد اللوكري
صمقدمه ٦٩
لا يذكر المؤلّف في هذا الفصل شيئا مهمّا إلّا خلاف بعض آراء المتقدّمين من الفلاسفة اليونانيّين كبطلميوس وأرسطوطاليس وثامسطيوس في مسألة مبدأ الحركة لكلّ فلك وسبب اختلاف حركات الأفلاك والكواكب .
هامش
( 1 ) - راجع : الشّفاء القسم الالهيّ ، ج 1 ، ص 21 .
( 2 ) - مقارنته بالشّفاء ، الفصل الثّاني من المقالة التّاسعة من القسم الالهيّ ، ج 2 ، ص 392 - 393 .