الفصل الأربعون والفصل الحادي والأربعون « 1 »
ولأنّ البحث فيهما يدور حول موضوع واحد أوردناهما في موضع واحد . فبيّن في الأول منهما مذهب من يعتقد بالصّور والتّعليميّات والمبادي المفارقة والمثل الأفلاطونيّة ، ثمّ في الثّاني أبطل القول بهذه المذاهب كلّها ، كيف والمؤلّف من تلاميذ ابن سينا الذي ذهب في الفصلين : الثّاني والثّالث من المقالة السّابعة من إلهيات الشّفاء إلى إبطال هذه المذاهب وبسط القول فيها ، وذكر في الثّاني منها كثيرا من النّحل الفلسفيّة الّتي ذهبت إلى هذه الفكرة ونقل ظنونهم وآراءهم وحججهم وبراهينهم وصرّح بأنّ الفيلسوفين : أفلاطون ومعلّمه سقراط هما الرّائدان اللذان أسّسا هذه الفكرة . ثمّ أشار إلى الأسباب الّتي دعتهما وأتباعهما إلى هذا الرّأى . وقال في الفصل الثّاني من المقالة السّابعة : « نشأت هذه الفكرة من انتقالات غير سديدة حصلت لهم ممّا انتقلوا عن المحسوس إلى المعقول ، فظنّ قوم أنّ القسمة توجب وجود شيئين في كل شيء كإنسانين في معنى الانسانية : إنسان فاسد محسوس ( يعني جسماني ) ، وإنسان معقول مفارق أبدىّ لا يتغيّر وجعلوا لكلّ واحد منهما وجودا فسمّوا الوجود المفارق وجودا مثاليّا وجعلوا لكلّ واحد من الأمور الطّبيعيّة صورة مفارقة هي المعقولة « 2 » ثمّ قال : « وكان المعروف بأفلاطون ومعلّمه سقراط يفرطان في هذا الرّأى ويقولون : إنّ للانسانيّة معنى واحدا موجودا يشترك فيه الأشخاص ويبقى مع بطلانها وليس هو المعنى المحسوس المتكثّر الفاسد ، فهو إذن المعنى المعقول المفارق » « 3 »