( ويقرّ ما سبق إنفاذه على زمان فسقه ) [ 1 ] . فلا محيص عن القول بكون المراد بطلان العمل به على معنى عود الدعوى كما كانت قبله ، كما لا بُعد في التزام ذلك في الفتوى أيضاً ، على معنى عدم جواز العمل بها في الزمان المتأخّر عن الفسق ، أمّا ما مضى فلا ينقض العمل الواقع بها .
بل لعلّ الأمر في الحكم كذلك أيضاً على معنى أنّه إن عمل به بعد صدوره واخذ الحقّ ممّن عليه ودفع لمستحقّه وتمّت آثاره لم ينقض لوقوع الفسق بعده ، وهو المراد من إقرار ما سبق إنفاذه على زمان فسقه بل لا موضوع لعدم العمل به .
بخلاف ما إذا لم يعمل به بعد ، بأنّ صدر من الحاكم ثمّ لم ينفذ بعد - بالمعنى الذي سمعت - ففسق ، فإنّه لا يجوز إنفاذه منه ولا من غيره ، من غير فرق بين القضاء بالنفوذ وبين ترتيب الآثار عليه [ 2 ] .
بل [ الظاهر ] [ 3 ] أنّ الفتوى المعمول بها يبطل العمل بها من حين الفسق وما تأخّر عنه في الزمان المستقبل ممّا تجدّد من أفرادها من الصلاة ونحوها ، دون ما تقدّمها من ذلك [ 4 ] .
شرح
[ 1 ] وكذا الفاضل في القواعد والإرشاد « 1 » ، ويرجع حاصله - بناءً على أنّ المراد العمل بأصل الحكم لا خصوص إنفاذه ، كما عساه يظهر من المتن ، بل والمسالك « 2 » وغيرها - إلى أنّ الحكم قبل الفسق إن أنفذه حاكم آخر قبل الفسق عمل به وإلّا فلا ، إلّاأنّه لا نعرف له دليلًا يقطع العذر ، وإن كان قد يقال : إنّه مع حكم الآخر بإنفاذه يكون العمل في الحقيقة بحكم الثاني ، فلا يقدح فسق الأوّل بخلاف الفسق قبل الإنفاذ .
كما أنّه قد يقال : إن مراد الأصحاب اشتراط حكم الثاني بإنفاذه ببقاء الأوّل على وصف العدالة لا بطلان حكم الأوّل بتجدّد الفسق على وجه تعود الدعوى كما كانت قبل الحكم . ضرورة منافاة ذلك لجميع الأدلّة ، بخلاف ما ذكرناه ، فإنه قد يكون وجهه أصالة عدم نفوذ الحكم بالإنفاذ ، بل هو حينئذٍ كفسق الشاهد بعد الشهادة قبل الحكم ، وحينئذٍ يكون الفسق مانعاً من الحكم بإنفاذه بخلاف الموت المقتضي لخروج الموضوع عن قابليّته ، فلا إسناد للحكم إليه ، أمّا الفسق فهو حكم فاسق فعلًا .
وعلى كلّ حال فالمراد الحكم بإنفاذه وعدمه ، لا أصل العمل بحكمه في خصوص ما حكم به ، وإلّا لاقتضى ذلك بطلان ما وقع من العمل بفتاواه الذي هو أولى بذلك من الحكم ، وهو معلوم البطلان .
ولكن الإنصاف أنّه خلاف ظاهر العبارات ، بل لا وجه له أيضاً ، ضرورة التلازم بين صحّته في نفسه وبين إنفاذه ، فلا معنى لكونه صحيحاً يجب إنفاذه بمقتضى الأمر بالمعروف ولكن لا يجوز الحكم بإنفاذه .
[ 2 ] ويمكن استفادة بعض ما ذكرناه من خبر الحسين بن روح المروي عن كتاب الغيبة للشيخ عن أبي محمّد الحسن بن عليّ عليهما السلام : أنّه سئل عن كتب بني فضّال ؟ فقال : « خذوا بما رووا وذروا ما رأوا » « 3 » بناءً على إرادة الفتوى من الرأي فيه لا الوقف .
[ 3 ] [ كما ] منه [ من خبر الحسين بن روح ] يستفاد [ ذلك ] .
[ 4 ] المبني على أصل الصحّة والبراءة وغيرهما من قاعدة الإجزاء ونحوها ، بل ليس هو مصداقا لقوله عليه السلام : « ذروا » .
هامش
( 1 ) القواعد 3 : 457 . الارشاد 2 : 148 .
( 2 ) انظر المسالك 14 : 20 .
( 3 ) الوسائل 27 : 102 ، ب 8 من صفات القاضي ، ح 79 .