بنفي العلم وإن صدّقه المدّعي فضلًا عمّا لو ادّعاه عليه أيضاً ، فإنّ جميع هذه الفروع مبنيّة على ذلك [ 1 ] .
[ والظاهر أنّه لا فرق في الحكم في الفروع السابقة جميعها بين القول بتعلّق الدعوى في فعل الغير ، أو فعل المدّعى عليه في الاجتزاء بيمين نفي العلم مطلقاً ، أو إذا ادّعى عليه ، وإلّا كان طريق إثباتها منحصراً في البيّنة نحو الدعوى على الصغير والمجنون والغائب ونحوهم ] .
هذا كلّه بناءً على عدم جواز حلفه على البتّ بمقتضى الأصول ولو يقول : « لا حقّ لك عليَّ » و « لا تستحقّ عليَّ شيئاً » ونحوهما ، وإلّا كان له الحلف حينئذٍ على ذلك أو ردّ اليمين وإلّا كان ناكلًا .
ثمّ لا يخفى عليك أنّ الدعوى يختلف كيفيّة إبرازها ، فقد تبرز على وجه تتعلّق بالمدّعى عليه وإن كانت في الواقع هي متعلّقة بفعل الغير ، كما إذا ادّعى عليه مثلًا أن ما في يده من المال له من دون قول : « قد غصبه مورّثك » مثلًا ، ولا ريب في استحقاقه اليمين حينئذٍ على النفي واقعاً ، لا على عدم العلم ، وقد تقدّم ما يستفاد منه زيادة تحقيق للمقام [ 2 ] . هذا وقد ظهر لك حال اليمين ممّن توجّهت عليه ( أمّا المدّعي ، ولا شاهد له فلا يمين
شرح
[ 1 ] وقد تقدّم سابقا في جواب المنكر ما يستفاد منه المناقشة في ذلك ، ونزيد هنا بأنّه لا دليل على تسبيبها ذلك . وما في النصوص من أنّ « البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه » « 1 » ينساق منه حال كون الجواب إنكاراً ، خصوصا بعد ما في الخبر الآخر من أنّ « البينة على المدّعي واليمين على من أنكر » « 2 » . بل هو كالمقيّد للأوّل بناءً على إرادة الحصر منه وكون الإنكار الجواب بالنفي على البتّ دون نفي العلم ، وإلّا كان اليمين عليه ولو على نفي العلم وإن لم يدّعه المدّعي عليه . فتتّفق النصوص حينئذ أجمع ، خصوصاً بعد استفاضة النصوص على عدم الحلف إلا على العلم . قال الصادق عليه السلام في خبر هشام بن سالم : « لا يحلف الرجل إلّاعلى علمه » « 3 » ، وفي خبر أبي بصير ومرسل يونس : « لا يستحلف الرجل إلّاعلى علمه » « 4 » ، مع زيادة « ولا تقع اليمين إلّاعلى العلم استحلف أو لم يستحلف » « 5 » . ودعوى أنّ تعذّر العلم عليه يوجب الردّ عليه ليس بأولى من القول بأنّ الواجب عليه الحلف على ما يعلمه من عدم العلم بما يدّعيه المدّعي وإنّ كانت الدعوى متعلّقة بفعل نفسه ؛ إذ لا دليل بالخصوص على الاجتزاء به في نفي فعل الغير دون فعل النفس مع فرض اتّحادهما كذلك . واعتبار البتّ في اليمين في كلام الأصحاب - على وجه يقتضي عدم الاجتزاء بها على نفي العلم إلّاإذا كان متعلّقها فعل الغير - إنّما هو حيث تتوجّه عليه يمين كذلك ، كما إذا كان جوابه الإنكار المحض على ما هو الغالب .
وبذلك يظهر لك حينئذ ما في الفروع السابقة جميعها ، وأنّه لا فرق في الحكم فيها بين القول بتعلّقها في فعل الغير أو فعل المدّعى عليه في الاجتزاء بيمين نفي العلم مطلقاً ، أو إذا ادّعي عليه وإلا كان طريق إثباتها منحصراً في البيّنة ، نحو الدعوى على الصغير والمجنون والغائب ونحوهم .
[ 2 ] ومن التأمّل في جميع ما ذكرنا يظهر : أنّ الذي أوقع بعض الناس في الوهم إطلاق اعتبار الجزم في اليمين على وجه لا يكفي فيه نفي العلم إذا كان متعلّق الدعوى فعل المدّعى عليه ، ولكن قد عرفت تحقيق الحال ، الله العالم .
هامش
( 1 ) انظر الوسائل 27 : 233 ، ب 3 من كيفيّة الحكم .
( 2 ) عوالي اللئالي 1 : 244 ، ح 172 ، سنن البيهقي 10 : 252 .
( 3 ) الوسالئ 23 : 246 ، ب 22 من الأيمان ، ح 1 .
( 4 ) الوسائل 23 : 247 ، ب 22 من الطلاق ، ح 2 ، 4 .
( 5 ) الوسائل 23 : 247 ، ب 22 من الطلاق ، ح 2 ، 4 .