. . . . . . . . . . .
شرح
والأمر بالمعروف ووجوب إيصال الحقّ إلى مستحقّه - بل كون العلم حجّة على من حصل له يترتّب عليه سائر التكاليف الشرعية - لا يقتضي كونه من طرق الحكم ، بل أقصى ذلك ما عرفت ، وأنه لا يجوز له الحكم بخلاف علمه .
بل لعلّ أصالة عدم ترتّب آثار الحكم عليه يقتضي عدمه . كما أنّ قوله صلى الله عليه وآله وسلم : « البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر » « 1 » كذلك أيضاً [ أييقتضي عدم ترتّب آثار الحكم على العلم ] .
بل ظاهر الحصر في صحيح هشام عن أبي عبد اللَّه عليه السلام : « قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم : إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان ، وبعضكم ألحن بحجّته من بعض » « 2 » كذلك . وكذا قول أمير المؤمنين عليه السلام في خبر إسماعيل بن أبي أويس : « جميع أحكام المسلمين على ثلاثة : شهادة عادلة أو يمين قاطعة ، أو سنّة جارية مع أئمّة هدى » « 3 » . وكذا الخبر الآخر عنه « 4 » عليه السلام إلى غير ذلك من النصوص الظاهرة في حصر طريق الحكم بالمعنى المزبور [ أي بمعنى ترتّب آثار الحكم ] بالبيّنة واليمين . وأقصى ما يخرج منها المعلوم كذبهما ولو لمخالفتهما لعلمه ، فلا يحكم حينئذٍ بهما ، وهو لا يقتضي الحكم بعلمه ، وأنّه أحد طرق الفصل « 5 » كالبيّنة ، بل هو أقوى ، اللهمّ إلّاأنيحمل ذلك كلّه علىما هو الغالب أو الظاهر منها في صورة عدم العلم ، خصوصاً مع ملاحظة إجماع الأصحاب .
ويمنع الأصل المزبور [ أي أصالة عدم ترتّب آثار الحكم ] بإطلاق ما دلّ على قبول الحكم بالعدل ، كما في كلّ شرط يشكّ في توقّف القبول عليه .
ومنه - [ من توجيه الروايات وردّ الأصل ] مع الإجماع المحكي مستفيضاً المعتضد بالتتبّعيظهر حينئذٍ ضعف المحكي عنه « 6 » [ عن ابن الجنيد ] من عدم جواز الحكم بالعلم مطلقاً للإمام وغيره في حقّ اللَّه وحقّ الناس .
وفي المسالك عن مختصره الأحمدي : من جواز الحكم في حدود اللَّه دون حقّ الناس « 7 » والمحكيّ عن ابن حمزة عكس ذلك « 8 » ، وعن حدود النهاية : « إذا شاهد الإمام من يزني أو يشرب الخمر كان عليه أن يقيم الحدّ ، ولا ينتظر مع مشاهدته قيام البيّنة والإقرار ، وليس ذلك لغيره ، بل هو مخصوص به ، وغيره وإن شاهد يحتاج إلى أن يقوم بيّنة أو إقرار من الفاعل » « 9 » .
مع أنّه لم نجد للجميع مستنداً صالحاً - غير ما عرفت - سوى :
1 - اقتضاء ذلك التهمة التي قد تحصل أيضاً مع البيّنة وتزكية النفس الحاصلة بالجلوس في منصب القضاء .
2 - والنبوي في قضيّة الملاعنة : « لو كنت راجما من غير بيّنة لرجمتها » « 10 » التي لم يثبت صحّته في طرقنا .
3 - ودعوى بناء حدود اللَّه على المسامحة والستر ، الممنوعة بعد الثبوت بالعلم .
هامش
( 1 ) الوسائل 27 : 293 ، ب 25 من كيفيّة الحكم ، ح 3 ، وفيه : « البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر » .
( 2 ) الوسائل 27 : 232 ، ب 2 من كيفيّة الحكم ، ح 1 .
( 3 ) الوسائل 27 : 231 ، ب 1 من كيفيّة الحكم ، ذيل الحديث 6 .
( 4 ) الوسائل 27 : 231 ، ب 1 من كيفيّة الحكم ، ح 6 .
( 5 ) تحتمل المعتمدة : « للفصل » .
( 6 ) حكاه في الانتصار : 488 .
( 7 ) المسالك 13 : 384 .
( 8 ) الوسيلة : 218 . النهاية : 691 .
( 9 ) الوسيلة : 218 . النهاية : 691 .
( 10 ) عوالي اللآلي 3 : 518 ، ح 14 . سنن البيهقي 7 : 407 .