وحينئذٍ يتّجه التفصيل في النصب بين أن يكون على معنى التوكيل فليس له الاستنابة إلّابالإذن ، وبين أن يكون على معنى الولاية ، فيجوز كما في نصب الغيبة [ 1 ] .
فلا ريب في أنّ التحقيق : أنّ النصب للقضاء يقع على الوجهين المزبورين [ أيالوكالة والولاية ] وإن كانا هما معاً بمعنى الاستنابة ، إلّاأنّها بالمعنى الثاني استنابة خاصّة هي للولاية أقرب منها للوكالة في مثل نصب الغيبة ، كما هو واضح بأدنى تأمّل [ 2 ] .
وعلى كلّ حال فحيث يجوز الاستخلاف للقضاء ، فلا ريب في أنّه يعتبر فيه ما يعتبر في المنصوب الأصيل [ 3 ] .
فلا بدّ من كونه مجتهداً بناءً على اعتباره في القضاء [ 4 ] . [ وقد يقال : لا مانع من التوكيل في إنشاء صيغة الحكم ] .
كما أنّه قد يقال - إن لم يكن إجماع - : بجواز تولية الحكم للمقلّد على أن يحكم بفتوى مقلّده مثلًا [ 5 ] .
شرح
[ 1 ] ودعوى : عدم جواز النصب بالمعنى الثاني [ أيالولاية ] ؛ لمنافاته كون الحكومة من اللَّه للإمام عليه السلام ؛ ضرورة عدم صلاحيّته للغير ولايةً لا نيابةً ، وإنّما جاز التوكيل في زمن الغيبة لظهور الأدلّة في معنى الوكالة المطلقة ، يدفعها : أنّ ذلك هو المراد بالولاية ، فلا منافاة بين كون الحكومة له وبين توليته غيره على حسب ولاية الأب والجدّ اللذين جاز لهما إثباتها لغيرهما بالوصاية .
[ 2 ] ولا يخفى عليك ما يتفرّع على ذلك ولا ما يتفرّع على الاستنابة عنه أو عن الإمام عليه السلام التي قد مرّ كثير منها في وكيل الوكيل .
[ 3 ] ضرورة كونهما منصوبين له .
[ 4 ] نعم في المسالك : « إلّاأن يفوّض إليه أمراً خاصّاً لا يتوقّف على الاجتهاد كسماع البيّنة ونقلها إليه ، وفي التحليف بعد أن سمع الحاكم البيّنة دون الحكم ، فيكفيه العلم بشرائط ذلك » قال : « ومن هنا يظهر أنّ المجتهد في حال الغيبة لا يمكنه تولية أحدٍ الحكم بين الناس مطلقاً ، لأنّ النائب إن كان مجتهداً كان أصلًا كالمستنيب - وإن كان المستنيب أعلم وقلنا بترجيحه حيث لا يشترط الأفضليّة أو تعذّر الوصول إلى الأفضل - وإن كان مقلّداً لم ينفذ حكمه مطلقاً ، وإنّما يتصوّر ذلك في القاضي المنصوب من قبل الإمام عليه السلام إذا استناب مجتهداً غير منصوب » « 1 » .
قلت : قد يقال - إن لم يكن إجماع - : لا مانع من التوكيل في إنشاء صيغة الحكم من قول :
« حكمت » ونحوه ، نحو إنشاء صيغة الطلاق الذي هو بيد من أخذ بالساق ، فإنّ عمومات الوكالة سواء في تناولهما ، بل لعلّ شمولها لنحو ذلك أولى من شمولها لسماع البيّنة وللتحليف ونحوهما ، اللهمّ إلّاأن يراد عدم قبول الحكم الذي هو بمعنى الفصل للتوكيل ، وهو مصادرة .
[ 5 ] لما عرفته سابقاً من العمومات السالمة عن المعارض .
واختصاص النصب في زمن الغيبة بالمجتهد - بناءً على ظهور دليله في ذلك - لا يقتضي عدم جواز تولية هذا المنصوب على الإطلاق . وأنّه الحجّة من الإمام عليه السلام على الناس كما أنّ الإمام حجّة اللَّه عليهم ، بل قد عرفت كونه وليّاً .
هامش
( 1 ) المسالك 13 : 347 .