وخصوصاً إذا كان الخصم منهم ، فإنّه لا ينبغي التوقّف في جواز أخذ الحقّ منه بحكم قضاتهم [ 1 ] .
شرح
[ 1 ] بل لعلّه المراد من خبر عليّ بن محمد قال : سألته هل نأخذ في أحكام المخالفين ما يأخذون منّا في أحكامهم ؟ فكتب : « يجوز لك ذلك إن شاء اللَّه إذا كان مذهبكم فيه التقيّة والمداراة لهم » « 1 » بناءً على ما في الوافي من أنّ « المراد هل يجوز لنا أن نأخذ حقوقنا منهم بحكم قضاتهم كما يأخذون منّا بحكم قضاتهم ، يعني إذا اضطرّ إليه ، كما إذا قدّمه الخصم إليهم » « 2 » .
ويمكن كون المراد : أخذ نحو الشفعة بالجوار والعصبة منهم كما يأخذون منّا ، أو غير ذلك ممّا لا يندرج في الأخذ بغير حقّ منهم ، فإنّه غير جائز ، كما صرّح به في خبر البغل « 3 » المتقدّم في الغصب .
وفي خبر ابن فضّال قال : قرأت في كتاب أبي الأسد إلى أبي الحسن الثاني عليه السلام وقرأته بخطّه سأله ما تفسير قوله تعالى :( وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ )« 4 » فكتب إليه بخطّه :
« الحكّام : القضاة ، قال : ثمّ كتب تحته : هو أن يعلم الرجل أنّه ظالم فيحكم له القاضي ، فهو غير معذور في أخذ ذلك الذي حكم به إذا كان قد علم أنّه ظالم » « 5 » .
بل ربّما كان ذلك مقطوعاً به ، فليس المراد حينئذٍ إلّاما ذكرناه أوّلًا من الوجهين .
وقال عليّ بن الحسين عليهما السلام في خبر عطاء بن السائب : « إذا كنتم في أئمّة الجور فامضوا في أحكامهم ، ولا تشهروا أنفسكم فتُقتلوا ، وإن تعاملتم بأحكامنا كان خيراً لكم » « 6 » .
وقد يستفاد من هذا الخبر - مضافاً إلى كون التقيّة ديناً - صحّة المعاملة بأحكامهم تقيّة على نحو الصحة في العبادة وإن افترقا بقاعدة الإجزاء في الثانية [ أيفي العبادة ] دون الأولى ، لكنّ هذا الخبرمع كون التقيّة ديناً - يقتضي الأعمّ إلّاأنّه لم يحضرني الآن كلام للأصحاب بالخصوص .
نعم في رسالة منسوبة للكركي الحكم بالبطلان في العبادة والمعاملة إلّاما نصّ فيه على الصحّة كالوضوء ونحوه « 7 » ، ولا ريب في فساده في العبادة ، أمّا المعاملة فمحلّ نظر .
هذا ، وفي الكفاية أيضاً : أنّه « يستفاد من الخبرين عدم جواز أخذ شيء بحكمهم وإن كان له حقّاً ، وهو في الدين ظاهر ، وفي العين لا يخلو من إشكال ، لكن مقتضى الخبرين التعميم » « 8 » ، وكأنّ فرقه بين الدين والعين :
باحتياج الأوّل إلى تراضٍ في التشخيص ، والفرض جبر المديون بحكمهم ، بخلاف العين .
وفيه : أنّ الجبر وإن كان آثماً فيه لكن لا ينافي تشخّص الدين بعد فرض كونه حقّاً ، على أنّ في صدر أحد الخبرين : المنازعة في دين أو ميراث ، فلا بدّ من حمل الخبرين على الأعمّ من ذلك ، لكن على معنى : أنّ أصل ثبوت الاستحقاق للدين أو العين قد كان بحكمهم الباطل ، لا أنّهما ثابتان بالحكم الحقّ وأخذهما قد كانا بحكم الطاغوت ، مع احتمال التزام الحرمة فيهما أيضاً في ذلك ، لكن على معنى : حرمة التصرّف وإن كانا مملوكين ، فيكونان بحكم السحت في الإثم ولو باعتبار المقدّمة ، فتأمّل جيّداً ، واللَّه العالم .
هامش
( 1 ) الوسائل 27 : 226 ، ب 11 من آداب القاضي ، ح 1 .
( 2 ) الوافي 16 : 904 - 905 .
( 3 ) الوسائل 19 : 119 ، ب 17 من الإجارة ، ح 1 .
( 4 ) البقرة : 188 .
( 5 ) الوسائل 27 : 15 ، ب 1 من صفات القاضي ، ح 9 .
( 6 ) الوسائل 27 : 14 ، ب 1 من صفات القاضي ، ح 7 ، في المصدر : « فاقضوا » بدل « فامضوا » .
( 7 ) رسائل المحقق الكركي 2 : 51 ، 53 .
( 8 ) كفاية الأحكام 2 : 663 .