[ المقطوع بأعلى مراتب القطع أنّ المدار في القضاء هو الحكم بالحقّ الذي هو عند محمّد وأهل بيته صلوات اللَّه عليهم وإن يكن الحاكم قد بلغ مرتبة الاجتهاد والتصرّف ] .
شرح
إلى غير ذلك من النصوص البالغة بالتعاضد أعلى مراتب القطع الدالّة على أنّ المدار : الحكم بالحقّ الذي هو عند محمّد وأهل بيته صلوات اللَّه عليهم وأنّه لا ريب في اندراج من سمع منهم عليهم السلام أحكاماً خاصّة مثلًا وحكم فيها بين الناس وإن لم يكن له مرتبة الاجتهاد والتصرّف .
قال الصادق عليه السلام في خبر أبي خديجة : « إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فانّي قد جعلته قاضياً ، فتحاكموا إليه » « 1 » .
بناءً على إرادة الأعمّ من المجتهد منه ، بل لعلّ ذلك أولى من الأحكام الاجتهادية الظنّية .
بل قد يقال : باندراج من كان عنده أحكامهم بالاجتهاد الصحيح أو التقليد الصحيح وحكم بها بين الناس كان حكماً بالحقّ والقسط والعدل . نعم قد يقال بتوقّف صحّة ذلك على الإذن منهم عليهم السلام لقول الصادق عليه السلام في خبر سليمان بن خالد : « اتّقوا الحكومة ، إنّما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين : نبيّ أو وصيّ » « 2 » . وقوله عليه السلام أيضاً في خبر إسحاق بن عمّار : « قال أمير المؤمنين عليه السلام لشريح : يا شريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلّانبيّ أو وصيّ نبيّ أو شقي » « 3 » . وما عساه يشعر به قوله عليه السلام في نصب نائب الغيبة : « فإنّي قد جعلته حاكماً » « 4 » . وغير ذلك ممّا يقتضي توقّف صحّة الحكم وترتّب أثره عليه على الإذن والنصب ، فتقيّد تلك الآيات والنصوص بذلك أو تحمل على إرادة الأمر بالمعروف ونحوه ممّا ليس فيه قضاء وفصل .
اللهمّ إلّاأن يقال بأنّ النصوص دالّة على الاذن منهم عليهم السلام لشيعتهم - المتمسّكين بحبلهم الحافظين لأحكامهم - في الحكم بين الناس بأحكامهم الواصلة إليهم بقطع أو اجتهاد صحيح أو تقليد كذلك ، فإنّهم العلماء وشيعتهم المتعلّمون وباقي الناس غثاء .
وفي خبر عبد اللَّه بن طلحة الوارد في اللصّ الداخل على المرأة وقتل ولدها وأخذ ثيابها عن الصادق عليه السلام :
أمر السائل بالقضاء بينهم بما ذكره الإمام « 5 » ، ولعلّ غيره أيضاً كذلك . وإنّما شدّة الإنكار في النصوص على المعرضين عنهم المستغنين عنهم بآرائهم وقياسهم واستحسانهم ونحو ذلك من الباطل الذي لفّقوه .
قال الحلبي : قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام : ربّما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيتراضيان برجل منّا ؟ فقال : « ليس هو ذاك ، إنّما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط » « 6 » .
ولو سلّم عدم ما يدلّ على الإذن فليس في شيء من النصوص ما يدلّ على عدم جواز الإذن لهم في ذلك ، بل عموم ولايتهم تقتضي ذلك .
بل قد يدّعى أنّ الموجودين في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ممّن امر بالترافع إليهم قاصرون عن مرتبة الاجتهاد وإنّما يقضون بين الناس بما سمعوه من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم .
هامش
( 1 ) الوسائل 27 : 13 ، ب 1 من صفات القاضي ، ح 5 .
( 2 ) الوسائل 27 : 17 ، ب 3 من صفات القاضي ، ح 3 .
( 3 ) الوسائل 27 : 17 ، ب 3 من صفات القاضي ، ح 2 .
( 4 ) الوسائل 27 : 136 ، ب 11 من صفات القاضي ، ح 1 .
( 5 ) الوسائل 29 : 62 ، ب 23 من القصاص في النفس ، ح 2 .
( 6 ) الوسائل 27 : 15 ، ب 1 من صفات القاضي ، ح 8 .