نعم قد يشكّ في صورة ما لو قصد الاشتراك في الإتلاف ، بأن فعل ذو السبب سببه لإرادة مباشرة الإتلاف منالمتلف ، كما لو نصب سكّيناً في الأرض ليدفعه الآخر عليها مثلًا ، مع أنّ التحقيق فيها أيضاً كون الضمان على المباشرالذي يسند الفعل إليه وإن كان ذلك معيناً له وصار فعله من المعدّات ، كما هو واضح بأدنى تأمّل في الفرق بين المعدّاتالقريبة والبعيدة [ 1 ] .
هذا كلّه في اجتماع المباشرة والتسبيب . أمّا اجتماع السببين بأن يحفر واحد بئراً ويضع آخر عنده حجراً فيعثر بهإنسان فيقع في البئر [ 2 ] . وربّما احتمل ترجيح الأقوى ، كما لو نصب سكّيناً في البئر المذكور .
وقد يحتمل قويّاً تساوي السببين ، لاشتراكهما في التلف الحاصل خارجاً ، وأنّه لولا الحجر لم يحصل التردّي فيالبئر ، كما أنّه لولا البئر لم يؤثّر العثور بالحجر تلفاً ، بل لو فرض كون كلّ من السببين متلفاً لو استقلّ ، إلّاأنّهما اشتركا فيماتحقّق في الخارج من التلف يتّجه أيضاً فيه الاشتراك في الضمان ، وتمام الكلام في ذلك في الديّات إن شاء اللَّه تعالى . وكيف كان فقد استثني [ 3 ] من قاعدة « تقديم المباشر » ما إذا ضعف المباشر [ 4 ] .
[ وكذا الريح والشمس والنار والسبع وغيرها ممّا لا عقل له ولا اختيار ] .
شرح
[ 1 ] ولعلّه لذا قالوا في القصاص : إنّه يحبس ذو السبب إلى أنيموت ، والقصاص على المباشر .
[ 2 ] ففي المسالك : « إن اتّفقا في وقت واحد اشتركا فيالضمان ؛ لعدم الترجيح ، وإن تعاقبا فالضمان على المتقدّم فيالتأثير ، لاستقلاله بالضمان أوّلًا ، فكان أولى ، وهو سببالسبب ، فيجب وجود المسبّب عنده » « 1 » . وكأنّه أراد ما فيالتذكرة ، قال : « ولو تعدّد السبب فالضمان على المتقدّممنهما إن ترتّبا ، كما لو حفر شخص بئراً في محلّ عدواناً ووضعآخر حجراً فيه فعثر إنسان بالحجر فوقع في البئر ، فالضمانعلى واضع الحجر ، لأنّه السبب المؤدّي إلىسبب الإتلاف ، فكان أولى بالضمان ؛ لأنّ المسبّب يجب معحصول سببه فيه ، فوضع الحجر يوجب التردّي ، أمّا لو انتفىسبب الترتيب فالضمان عليهما ، كما لو حفر ووضع الحجر ، فإنّ الضمان عليهما » « 2 » .
قلت : لا يخلو كلامهما من خفاء في الجملة ، والذي ذكره غيرهما أنّه يقدّم الأوّل في الجناية وإن تأخّرحدوثه عن الآخر .
[ 3 ] [ كما استثنى ] غير واحد من الأصحاب [ ذلك ] .
[ 4 ] وفي الدروس واللمعة الاقتصار على استثناء الغروروالإكراه « 3 » . بل في القواعد الاقتصار على الثاني « 4 » منهما ، كمافي الإرشاد الاقتصار على الأوّل « 5 » منهما . إلّاأنّ الظاهر إرادةالمثال ؛ ضرورة ضعف الريح والشمس والنار والسبع وغيرها ممّا لاعقل له ولا اختيار . ولعلّه لذا قال في المسالك : « وله صوركثيرة تأتي جملة منها ، وقد تقدّم منها مسألة الغرور بتقديمالطعام إليه جاهلًا . فإنّ الضمان يستقرّ على الآمر » « 6 » . قلت : بل لو لم يكن منه أمر ، بل مجرّد تقديمه له ضيافةً وإن قال فيالتذكرة « من قال كله ولم يقل : إنّه ملكي ولا طعام فلان غصبته ، بلأطلق فوجهان ، أقواهما الضمان ؛ لأنّه غرّه أيضاً » « 7 » .
هامش
( 1 ) المسالك 12 : 164 ، وفيه : « لا ستغاله » بدل « لاستقلاله » .
( 2 ) التذكرة 19 : 162 .
( 3 ) الدروس 3 : 107 . اللمعة : 221 .
( 4 ) بل اقتصر على الأوّل منهما ، انظر القواعد 2 : 222 .
( 5 ) بل اقتصر على الثاني منهما ، انظر الإرشاد 1 : 444 .
( 6 ) المسالك 2 : 165 .
( 7 ) التذكرة 19 : 188 نقلًا بالمعنى .