وبالجملة : وجود الشخص أو رحله السابق على مجيئه أو المتأخّر عنه لا يرفع الاشتراك الأصلي في ذاته وإن حرمالدفع ونقل المتاع والبساط ونحوه . وبهذا التحقيق ينكشف لك الحال في المقام بل وغيره ممّا يأتي .
إلّاأنّه مع ذلك كلّه يمكن أن يقال : إنّ الأحقّية تحصل أيضاً ما دام يصدق كون الشيء في يد المستحقّ وفي تصرّفهوتحت قبضته ، فأخذه منه حينئذٍ كدفعه الحسّي ظلم [ 1 ] . [ ولذا يعتبر الرحل مع نيّة العود في الطريق والمسجد بخلافما إذا لم يكن له رحل فإنّ نيّة العود لا تكفي في صدق كون الشيء في اليد وتحت القبضة ] . نعم هو كذلك في سكنىبيوت المدارس والربط ونحوها [ 2 ] . ثمّ إنّه حيث يجوز له الجلوس يجوز له التظليل بما لا يضرّ بالمارّة [ 3 ] . [ وأمّابناء دكة له فيه التسقيف فقد يشكل الحكم بعدم جواز ذلك مع فرض عدم الإضرار ] . [ ولا فرق في ذلك بين الطريقالواسع والمضيق مع فرض عدم الضرر ] .
وتحقيق ذلك هو أنّ الأصل والسيرة القطعيّة يقتضيان جواز سائر وجوه الانتفاع بالمنافع المشتركة إذا لم تعارضأصل المنفعة المقصودة منه الذي اعدّ لها بإحياء المحيي أو بوقف الواقف أو بتسبيل المسبّل أو بغير ذلك من غير فرق بينما يدوم أثر التصرّف كالبناء ونحوه وبين ما لا يدوم مع فرض عدم إخراجه بذلك عمّا اعدّ له ، فلو بنى بعض أرض الطريقبآجر مثلًا على وجه لا يخرجه عن أصل الاستطراق لم يكن بذلك بأس وإن كان مراده بذلك الاستئثار به لو أراد الجلوسعليه غير المضرّ بالمارّة باعتبار أنّه ملكه نحو وضع البساط ونحوه .
وكذلك الكلام في السقف [ 4 ] . فليس للمستطرق حينئذٍ اختيار هذه القطعة [ التي بنى فيها للقعود عليها ] لاستطراقه بعد فرض وجود ما يصلح له غيرها . إذ الثابت له حقّ الاستطراق في المجموع لا في كلّ جزء . ومن هنا لميكن له إزعاج الجالس غير المضرّ . واستمرّت الطريقة على وضع القمامة وغيرها في الطرقات إذا لم تكن مضرّة
شرح
[ 1 ] ولعلّه لذا اعتبروا الرحل مع نيّة العود في الطريقوالمسجد ، بخلاف ما إذا لم يكن له رحل ، فإنّ نيّة العودلا تكفي في صدق كون الشيء في اليد وتحت القبضة .
[ 2 ] ولذا لم يعتبر أحد منهم بقاء الرحل في الاستحقاق لو خرج الخروج الذي لا ينافي صدق كونه في قبضتهعرفاً في مثل الخروج لقضاء حاجة ونحوها . وإن كان هو لا يخلو من نظر إن لم يكن إجماعاً ، كما ستعرف إن شاءاللَّه ، فتأمّل جيّداً .
[ 3 ] كما نصّ عليه غير واحد . وعلى أنّه لا يجوز له بناء دكّة . بل في الدروس « ولا تسقيف » « 1 » . وإن كان قد يشكل - معفرض عدم الإضرار بالمارّة - بأنّ مقتضى الأصل الجواز . وفيالمسالك : « وله أن يظلّل عليه موضع جلوسه بما لا يضرّبالمارّة من ثوب وبارية ونحوها ، لا بناء دكّة إلّامع سعةالطريق بحيث لا يتضرّر به المارّة أصلًا ، فيتّجه الجواز » « 2 » . وفيه : ما لا يخفى من عدم الفرق مع فرض عدم الضرر . ومنه يعلم ما في إطلاق المحكي عن المبسوط : « إذا سبق إلى موضع ، كان أحقّبه من غيره ، لأنّ بذلك جرت عادة أهل الأمصار يفعلون ذلك ولا ينكره أحد غير أنّه لا يجوز أن يبني دكّة ، ولا ينصب مستنداً » « 3 » .
[ 4 ] ولا ينافي ذلك ثبوت حقّ الاستطراق بعد ما سمعت من الإجماع على جواز الارتفاق بغير المضرّ به .
هامش
( 1 ) الدروس 3 : 70 .
( 2 ) المسالك 12 : 429 .
( 3 ) المبسوط 3 : 276 .