تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤
[ ويتمّ هذا الكلام لو فرض كون الاستثناء منقطعاً وعلم إرادة سقوط عين الثوب من المقرّ به ولو بأن يكون له عليه ألف درهم مثلًا ، فدفع وفاءً ثوباً ولم يحاسبه عليه ، فأراد الإقرار به كذلك فيكلّف المقرّ بيان قيمة الثوب فإن
شرح
بل هو في الثاني أظهر ، لأنّه القول الأشهر . ويشكل بأنّ الاستثناء المنقطع لا يقتضي الإخراج ، و « إلّا » فيه بمعنى « لكن » ، كما صرّحوا به في فنّه ، فلا مانع حينئذٍ من استغراقه ، ويكون بمنزلة جملتين : إحداهما إقرار والأخرى إثبات أمر آخر ، ولا إشكال في عدم ثبوت الزائد منه غير المستثنى منه ، لأنّ الزائد محض دعوى ، وإنّما الكلام في المساوي ، لكنّه مع ذلك يشكل باستلزامه مع الاستغراق إلغاء الإقرار ، بل قد ذكر بعض الأصوليّين والفقهاء أن الاستثناء في المثال المذكور متّصل ، وأنّ المراد منه قيمة الثوب ، فكأنّه استثنى من « الألف درهم » دراهم بقدر القيمة ، فاعتبر فيه عدم الاستغراق كالمتّصل ، وهذا متّجه » « 1 » . قلت : هو مع أنّه أمر آخر غير ما ذكرناه يأتي عليه ما قلنا من الإشكال بل فيه أوضح ؛ لاعترافه بعدم اقتضاء الانقطاع الإخراج ، وأنّ « إلّا » فيه بمعنى « لكن » فلا تفاوت بين المستوعب وغيره في عدم تعلّقه بالمقرّ به ، كما عرفت . ولا مخلص عن هذا الإشكال إلّابفرض كلامهم في منقطع علم إرادة سقوط عينه من المقرّ به ولو بأن يكون له عليه ألف درهم مثلًا ، فدفع وفاءً ثوباً ولم يحاسبه عليه ، فأراد الإقرار به كذلك ، ولا يلزم من ذلك كونه متّصلًا ، ضرورة أنّه لم يقدّر القيمة على وجه الإضمار حتى يكون كذلك ، بل استدرك الوفاء بالثوب عنها ، وهو غير داخل ، فأراد إخراج غير الجنس من جنس آخر ، وإخراجه منه ليس إلّا على معنى تنقيصه منه ، ضرورة عدم دخوله فيه حتى يخرج منه ، وليس مرادهم أنّ ذلك من لوازم المنقطع ، بل فرض كلامهم في منقطع هو كذلك . بل قد يدّعى أنّ المنساق من نحو هذا الفرد من المنقطع ذلك ، كانسياق إرادة النقصان من نحو قوله : « له عليّ عشرة دنانير إلّاخمسة دراهم » مثلًا أو « مئة درهم إلّاديناراً » ، وليس هذا التنقيص من المستثنى منه إخراجاً كي ينافي الانقطاع ، بل هو أمر آخر غير الإخراج الذي يلحظ في المتّصل . ودعوى إجماع علماء الأمصار على إضمار القيمة في مثله فيكون متّصلًا يمكن منعها على مدّعيها ، ولو سلّمت فمفروض البحث إرادة الانقطاع منه ، فليس حينئذٍ إلّادعوى تبادر التنقيص المزبور الذي لا ينافي الانقطاع ، بل قد يدّعى أنّ هذا أقرب إلى الحقيقة ، وأولى من الإضمار المحصّل للاتّصال مع ظهور اللفظ في الانقطاع . بل قد يقال : بالتزام ذلك [ / إرادة سقوط عين المستثنى من المقرّ به ولو بأن يكون قد دفعها وفاءً ولم يحاسبها فأراد الإقرار بها ] في كلّ مقام يقبله ، ومع التعذّر يكون منقطعاً لا مدخلية له في المستثنى منه ، حتى في التنقيص الذي لا ينافي الانقطاع ، بل يمكن تنزيل ما عليه علماء الأمصار من تقدير القيمة في المثال المزبور على هذا المعنى لا على ما ظنّه العضدي من إرادة تحصيل اتّصال الاستثناء . بل قد يشهد له أنّ علماء الأمصار إنّما لهم كلام في هذا المقام ، وإلّا فلا مقام له آخر ذكروا فيه ذلك ، على أنّ الاحتمال المزبور مجاز لا قرينة عليه ، بل لا يتمّ فيما ذكرناه من المثال المشتمل على إخراج الدراهم من الدنانير وبالعكس . وبذلك كلّه يتّجه ما سمعت من الأصحاب ، بل ظاهرهم أنّه مفروغ منه ، وعليه فرّعوا مسألة التفسير بالمستوعب وغيره . ولقد أطنب الأردبيلي - وتبعه بعض من تأخّر عنه - في إيراد الإشكال المزبور على كلام الأصحاب ، ولم يطمئن بمخلص منه ، ولكنّه قد سأل اللَّه تعالى التوفيق لحلّ المشكلات « 2 » ، وقد استجاب دعاءه بما عرفت . بل من جميع ما ذكرنا تعرف الحال في باقي ما أورده من الإشكالات على الأصحاب ، والحمد للَّه‌الذي رزقنا ما اطمأنت به أنفسنا وإن قصرت عنه أذهان جملة من المتفقّهة ، واللَّه الهادي .
هامش
( 1 ) المسالك 11 : 82 - 83 . ( 2 ) انظر مجمع الفائدة والبرهان 9 : 480 - 482 .