. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
والتقريب في مجموع الأخبار أنّها دالّة على معلوميّة حلّ النعام في الصدر الأوّل وفي زمان الأئمّة عليهم السلام وأنّ بيضها كان في عصر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يهدى ويؤكل من غير نكير ، وأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إنّما ردّه لمكان الإحرام لا للتحريم ، ولو كان في أصل الشرع حراماً لبيّنة النبيّ والأئمّة صلوات اللَّه عليهم في مقام الحاجة إلى البيان . بل قوله عليه السلام في أحد الصحيحين : « قيمة » « 1 » وفي الآخر :
« ثمن » « 2 » واضح الدلالة على تعارف بيعه وتقويمه ؛ إذ المحرّم لا ثمن له .
وبالجملة لا يكاد ينكر ظهور النصوص المزبورة في المفروغيّة من ذلك ، وفي معلوميّة حلّ النعام وبيضه عندهم كما هو واضح .
كلّ ذلك مع ضعف دليل التحريم ، كضعف القول به ، إذ ليس هو إلّا :
1 - ذكر الصدوق لها من المسوخ « 3 » ، وهي محرّمة إجماعاً ونصوصاً « 4 » .
2 - وكون النعامة من الطيور المنوط حلّها بعلامات الدفيف والحوصلة والقانصة والصيصية ، والأربعة مفقودة في النعامة أمّا الأوّل فلاختصاصه بالمستقلّ بالطيران وهي لا تستقلّ به ، وأمّا الثلاثة فبالمشاهدة والنقل .
3 - ومعلوميّة التلازم بين البيض واللحم وبيضها حرام - لتساوي طرفيه بشهادة الحسّ - فيحرم لحمه أيضاً .
والجميع كما ترى ؛ ضرورة فساد توهّم المسخ فيها بعد ثبوت الحلّ بما ذكرناه من الأدلّة التي تقصر هذه عن مقاومتها من وجوه ، على أنّ العلامات المزبورة للمشتبه من الطير والبيض دون النعامة التي هي - بعد تسليم كونها طيراً على وجه يندرج في إطلاقه ما « 5 » في نصوص « 6 » العلامات - من معلوم الحكم لحماً وبيضاً بالأدلّة السابقة . كما أنّ عدّ الصدوق لها من المسوخ - بعد أن لم يسنده إلى حجّة تقطع العذر - لا ينبغي أن يصغى إليه ، واحتمال كون ذلك من ذيل ما رواه من خبر محمّد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام « 7 » في غاية البعد خصوصاً بعد أن كان مرويّاً في الكافي « 8 » والتهذيب من دون هذه الزيادة التي لا يخفى على العارف بأساليب الكلام كونها من كلام الصدوق . ودعوى أنّه ما اخذ ذلك إلّامن خبر وصل إليه - إذ هي ليست مسألة اجتهاديّة - كما ترى ؛ فإنّ مجرّد ذلك لا يسوّغ لنا التعويل عليه على وجه نحرّم به ما قامت الأدلّة على حلّه ؛ ضرورة كونه بعد التسليم يمكن أن يكون خبراً لا نقول بحجّيته على أنّ خلوّ نصوص المسوخ - المشتملة على تفصيلها وعللها « 9 » بل ظهورها في حصرها بغيرها حتى ما رواه الصدوق نفسه فيها في الخصال والمجالس والعلل « 10 » - أوضح شاهد على وهمه في ذلك أو على تصحيف « البغاقة » بالمعجمتين بينهما ألف وكأنّها البوم ، أو على غير ذلك . وبالجملة كان تطويل الكلام أزيد من ذلك في حكمها من اللغو الذي أمرنا بالإعراض وإنّما وقع ما وقع منّا لما حكي « 11 » عن بعض من قارب عصرنا من الفتوى بالحرمة ، واللَّه الموفّق والهادي .
هامش
( 1 ) وهو صحيح : « أبي عبيدة » ، « الأعرج » .
( 2 ) وهو صحيح : « أبي عبيدة » ، « الأعرج » .
( 3 ) الفقيه 3 : 336 ، ذيل الحديث 4197 .
( 4 ) الوسائل 24 : 104 ، ب 2 من الأطعمة المحرّمة .
( 5 ) لم ترد في بعض النسخ .
( 6 ) انظر الوسائل 24 : 149 ، ب 18 من الأطعمة المحرّمة .
( 7 ) الفقيه 3 : 335 ، ح 4197 .
( 8 ) لم يرو هذا الخبر في الكافي ونقله عنه في المصابيح : 758 ( مخطوط ) . التهذيب 9 : 41 ، ح 174 .
( 9 ) انظر الوسائل 24 : 104 ، ب 2 من الأطعمة المحرّمة .
( 10 ) تقدّمت مصادرها في ص 517 - 518 .
( 11 ) حكاه في المصابيح : 746 ( مخطوط ) .