. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
بل استقصى في العلل في الباب الذي عقده لذكر علل المسوخ وبيان أصنافها الروايات الواردة « 1 » في ذلك ولا ذكر للنعامة في شيء منها « 2 » . فخلافه إمّا مرتفع لاضطرابه في مبنى الحكم ، أو غير قادح في تحصيل الإجماع ، خصوصاً بعد ملاحظة إطباق المتأخّرين عنه على الحلّ من غير إشارة من أحد منهم إلى خلافه في الفقيه الذي هو بين أيديهم حتى في مثل الخلاف والمختلف المعدّين لأمثال ذلك .
على أنّه لو كان حلّ النعامة من خصائص العامّة لعرف تحريمها في المذهب ، كما علم تحريم الضبّ والأرنب وغيرهما ممّا اختصّوا به ، فإنّ أحكام المطاعم والمشارب متميّزة عن غيرها بظهور الخلاف والوفاق ، لظهور السيرة فيها بالتناول والاجتناب ، بل الحيوان بخصوصه متميّز من بينها باستمرار العادة على التوقّي عمّا يحرم منه ، حتى أنّ أجرأ الناس على المعاصي وارتكاب المناهي لا يجترئ على أكل الحيوان المحرّم بل ربّما تورّع عن المشتبه حتى يتبيّن له الحلّ . مؤيّداً ذلك كلّه بعمل المسلمين وتظاهرهم في سائر الأعصار والأمصار على أكلها وأكل بيضها من غير احتياط ولا تناكر ، بل ليست هي عندهم إلّاكالغزلان ونحوها من الصيود المحلّلة بل بيض النعام لا يزال يباع ويشترى في سوق المسلمين ويوهب ويهدى بمرأى من العلماء والصلحاء وأهل الورع والتقوى من دون نكير ولا أمر باحتياط ولا وسوسة ، بل هي سيرة مستمرّة معلومة بدلالة الطارف على التالد ونقل الولد عن الوالد وحكاية الخلف فعل السلف حتى تتّصل بزمان صاحب الشرع على وجه يعلم كون الحكم منه بالقول أو الفعل أو التقرير فكان ذلك إجماعاً محصّلًا من السيرة المزبورة فضلًا عن تحصيله من المفروغيّة التي ذكرناها بين الأصحاب ، خصوصاً مع ملاحظة نصّهم على الحيوان المحرّم ، والمفروض تناول الناس للنعامة وبيضها في أزمنتهم ، ولم يذكر أحد فيها شبهةً أو احتمالًا ، وذلك إن لم يستفد منه الضرورة فلا ريب في حصول اليقين منه بكونها من قسم الحلال كما هو واضح . كلّ ذلك مضافاً إلى ما قيل « 3 » من أصالة الحلّ والإباحة المستفادة من العقل والكتاب العزيز ، كقولهخَلَقَ لَكُمْ« 4 » وغيره ، والسنّة كقوله عليه السلام : « كلّ شيء مطلق حتى يرد فيه نهي » « 5 » وغيره . وإن كان قد يناقش بعدم جريانه في مثل الحيوان المعتبر في حلّه التذكية التي مقتضى الأصل عدمها في المشكوك في قابليّته لها . و [ إلى ما قيل : ] من تناول ما دلّ على حلّ الطيّبات وحرمة الخبائث في الكتاب العزيز « 6 » لها ، لأنّها من الأطعمة التي تستطيبها الأنفس وتستلذّها من غير فرق بين الحاضر والباد والمعدم وذي اليسار والعجمي والعربي .
وإن كان قد يناقش بأنّه لا يتمّ في الحيوان أيضاً بعد ما عرفت من استفادة اعتبار التذكية في حلّه من قولهإِلَّا ما ذَكَّيْتُمْ« 7 » وغيره متمّماً بأصالة عدم حصولها في المشكوك في قابليّته شرعاً لها .
نعم قد يستدلّ لحلّها بقوله تعالى :لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ« 8 » وقوله عزّ من قائل :وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً« 9 » وقوله عزّوجلّ :غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ« 10 » لأنّ النعامة من جملة الصيد المحرّم على
هامش
( 1 ) انظر الوسائل 24 : 104 ، ب 2 من الأطعمة المحرّمة .
( 2 ) علل الشرائع 2 : 485 ، ب 239 .
( 3 ) قاله في المصابيح : 752 ( مخطوط ) .
( 4 ) البقرة : 29 .
( 5 ) الوسائل 27 : 173 ، ب 12 من صفات القاضي ، ح 67 .
( 6 ) الأعراف : 157 .
( 7 ) المائدة : 3 .
( 8 ) المائدة : 95 .
( 9 ) المائدة : 96 .
( 10 ) المائدة : 1 .