( ولعلّ فقه هذه المسألة ينكشف باعتبار فرض نفرضه ، وهي دابّة قيمتها عشرة جنى عليها ) جانٍ ( فصارت تساوي تسعة ثمّ جنى ) عليها ( آخر فصارت إلى ثمانية ثمّ سرت الجنايتان ) على وجه اشتركا في الإتلاف ( ففيها احتمالات خمسة ) . بل سبعة ( لا يخلو أحدها من خلل ) قال المصنّف ( وهو إمّا إلزام الثاني بكمال قيمته معيباً ، لأنّ جناية الأوّل غير مضمونة بتقدير أن يكون مباحاً وهو ضعيف ) في بعض أفراده ( لأنّه مع إهمال التذكية جرى مجرى المشارك بجنايته ) [ 1 ] . وعلى كلّ حال فالاحتمال في المسألة إمّا هذا ( وإمّا التسوية ) بينهما ( في الضمان ) [ 2 ] .
شرح
[ 1 ] كما في مسألة الصيد التي عرفت الكلام فيها . وفي الدروس بعد أن حكى ذلك كلّه عن المصنّف قال : « وهذا الاحتمال لو صحّ لم يشترط فيه كون الصيد مباحاً ، فإنّ جناية المالك على ماله غير مضمونة أيضاً ، وقدرة المالك على التذكية قد لا تتحقّق فلا ينتظم هذا الوجه مستقلّاً ، بل بقيد القدرة على التذكية » « 1 » إلى آخره . قلت : وعلى كلّ حال فهذا الوجه لا يتأتّى في المسألة المفروضة إلّا على تقدير كون الدابة صيداً ، وقد عرفت أنّ المتّجه النصف سواء قدر على التذكية وأهمل أو لا ، لأنّ الإفساد مستند إلى فعليهما فلابدّ من الحكم بتوزيع القيمة ثمّ إسقاط ما يخصّ المالك ، كما تقدّم الكلام فيه .
اللهمّ إلّاأن يقال : إنّ الثاني هو الذي يستند القتل إليه وإن سرى جرح الأوّل مع جرحه ، إلّاأنّ فعل المعية والجمعية ونحوهما قد حصل من الثاني ، والأوّل قد صار بمنزلة المعدّ والشرط ، وحينئذٍ يتّجه هذا الاحتمال في مفروض المسألة ، كما عن الشيخ فارضاً له في جناية المالك وجناية غيره « 2 » ، ولم أجده لغيره ، نعم قد ذكروا ذلك في الصيد إذا أثبته الأوّل وجرحه الثاني وسرى الجرحان حتى مات بهما ، فارقين بينه وبين الشاة التي جرحها المالك ثمّ جرحها الغير وماتت بهما ، وقد عرفت البحث في ذلك .
[ 3 ] بمعنى أنّه يجب على كلّ واحد منهما خمسة دنانير وتوجيهه بطريقين : أحدهما أنّه يجب على كلّ واحد منهما أرش جراحته وهو دينار لأنّه نقصان تولّد من جنايته ، وما بقي - وهو ثمانية - تلف بسراية الجراحتين ، فيشتركان فيه فهما حينئذٍ متساويان في الأرش والسراية . والتوجيه الثاني - كما في المسالك - « أنّ على كلّ واحد نصف قيمته يوم جنايته لأنّ الجناية إذا صارت نفساً ، دخل أرشها في بدل النفس وكلّ واحد منهما لم يضمن إلّانصف النفس ، فلا يدخل فيه إلّانصف الأرش ولا يدخل النصف الآخر فيما ضمنه الآخر ، ولذلك لو قطع يدي رجل فسرى دخل أرش اليد في بدل النفس ، ولو قطعهما ثمّ قتله غيره لم يدخل أرش اليد في بدل نفس ضمنها الآخر ، ثمّ يرجع الأوّل على الثاني بنصف أرش جنايته ، لأنّه جنى على النصف الذي ضمنه الأوّل وقوّمناه عليه قبل جنايته ، ومن غرم شيئاً بكمال قيمته له أن يرجع بما جنى عليه بما ينقصه ، ألا ترى أنّ من غصب ثوباً وجنى عليه آخر فخرقه ثمّ تلف الثوب وضمّن المالك الغاصب تمام القيمة ، فانّه يرجع على الجاني بأرش التخريق وإذا رجع عليه كذلك استقرّ على كلّ واحد منهما خمسة ، وعلى هذا فالمالك مخيّر في نصف دينار بين أن يأخذه من الأوّل أو الثاني فإن أخذه من الأوّل رجع على الثاني ، وإن أخذه من الثاني استقرّ عليه وحصل التسوية بينهما على التقديرين » « 3 » . وفيه : ما لا يخفى من الفرق بين الفرض وبين الثوب الذي ضمانه باليد ولو تلف بآفة سماوية ، بخلاف الفرض الذي لا ضمان فيه إلّاللجناية ، إذ الدابّة في يد مالكها فلا وجه لرجوع الأوّل على الثاني بشيء ، ضرورة تساويهما بسبب الضمان الذي هو الجناية لقاعدة الإتلاف ( و ) غيرها كما ( هو ) واضح .
هامش
( 1 ) الدروس 2 : 404 .
( 2 ) المبسوط 6 : 268 - 269 .
( 3 ) المسالك 11 : 534 - 535 .