لكنّ الإنصاف مع ذلك كلّه عدم خلوّ المسألة من إشكال في الجملة [ 1 ] . [ ولو لم يكن إجماعاً أمكن القول بحرمة الأكل النادر الذي لا ينافي كونه معلّماً ، وجوازه لو كان في تعليمه الأكل بما يصيده فيكون المدار على وجه التعليم ] . نعم لو اعتادت غير ما علّمت خرجت عن كونها معلّمة ، فلا يحلّ صيدها [ 2 ] . ( و ) [ المختار ] [ 3 ] أنّه لا ينبغي الإشكال في أنّه ( كذلك ) لا يقدح في حلّ صيد الكلب ( لو شرب دم الصيد واقتصر ) إذا فرض تأديبه على ذلك [ 4 ] .
شرح
[ 1 ] لكثرة النصوص المزبورة مع خلوّها عن الإشعار في شيء منها بوجه الجمع المزبور عدا ما سمعته من التعليل المزبور ، ولو لم يكن إجماعاً أمكن الجمع بينها بحمل أخبار المنع على الأكل النادر الذي لا ينافي كونه معلّماً كما لا ينافي سائر الملكات من ذوي العقول فضلًا عن الحيوانات ، ولا فرق في ذلك بين الأكل والاسترسال والانزجار ، وأخبار الجواز على الكلب الذي كان في تعليمه الأكل ممّا يصيده ، فإنّه يكون حينئذٍ معلّماً على هذا الوجه . ودعوى كونه خلاف المتعارف في التعليم لا ينافي كون الحكم الجواز مع فرض وقوعه ، ويكون قوله تعالى :أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ« 1 » وارداً مورد الغالب ، لا أنّ المراد اشتراطه حتى لو علّم الكلب على أكل بعض ما يصيده ، خصوصاً إذا كان تأديبه على أكل القليل منه ولم يتعدّه ، بل لعلّ المراد منفَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ« 2 » كلّاً أو بعضاً على حسب ما اقتضاه تأديبها وتعليمها .
[ 2 ] ويمكن دعوى عدم منافاة ذلك للمشهور ؛ ضرورة ظهور كلامهم في اعتياد الأكل المنافي للتعليم ، بل جعل بعضهم ذلك دليلًا للمسألة « 3 » . نعم يظهر من بعض الأفاضل كون الحكم عندهم كذلك وإن علّم « 4 » .
ولكنّه لا يخلو من نظر . كما أنّه لا يخفى ضعف القول بالحلّ مع الاعتياد للأكل من دون تعليم ؛ ضرورة اقتضائه طرح النصوص « 5 » الدالّة على المنع مع استفاضتها واعتضادها بما سمعت من الإجماع المحكي ، بل وبالشهرة العظيمة التي كادت تكون كذلك ، بل لعلّها الآن كذلك ، أو حملها على التقيّة مع أنّك قد عرفت اختلاف العامّة فيما بينهم ، بل فيها المشتمل على المنع من صيد الفهد إلّاأن تدرك ذكاته « 6 » وهو منافٍ لما عندهم ، أو حملها على الكراهة وهو فرع المكافئة المعلوم فقدها ، واللَّه العالم .
[ 3 ] [ إذ ] من ذلك [ / ممّا تقدّم ] يعلم [ ذلك ] .
[ 4 ] بل ظاهر المسالك المفروغيّة من عدم قدحه وإن لم يكن تعليمه كذلك ويقع منه غالباً ، لأنّ الدم غير مقصود للصائد ، نعم قال : « في أكل حشوته وجهان : من أنّها تؤكل كاللحم ومن أنّها تلقى غالباً ولا تقصد كالدم » « 7 » . قلت : لعلّ الأقوى الأوّل : وحينئذٍ فيراعى تأديبها على ذلك وعدمه . هذا ، وعن ابن الجنيد أنّ في حكم أكله منه ما إذا أراد الصائد أخذ الصيد منه فامتنع وصار يقاتل دونه ، لأنّه في معنى الأكل من حيث أنّ غرضه ذلك ، فلم يتمرّن على التعليم من هذه الجهة « 8 » . ولا بأس به . نعم ما يحكى عنه من التفصيل في أصل المسألة بين أكله منه قبل موت الصيد وبعده وجعل الأوّل قادحاً دون الثاني « 9 » . غير ظاهر الوجه مع فرض عدم تأديبه على ذلك . وإن قيل : لعلّه جمع بين الأخبار « 10 » ، إلّاأنّه كما ترى ؛ ضرورة عدم شاهد عليه لا منها ولا من إجماع محكى ونحوه ، بل يمكن أن يكون في بعضها ما ينافيه ، واللَّه العالم .
هامش
( 1 ) المائدة : 4 .
( 2 ) المائدة : 4 .
( 3 ) كالمرتضى في الانتصار : 398 .
( 4 ) انظر الرياض 12 : 47 .
( 5 ) انظر الوسائل 23 : 337 ، 338 ، ب 2 من الصيد ، ح 16 ، 17 ، 18 .
( 6 ) الوسائل 23 : 344 ، ب 6 من الصيد ، ح 1 ، 3 .
( 7 ) المسالك 11 : 417 .
( 8 ) حكاه في المسالك 11 : 416 .
( 9 ) حكاه في المسالك 11 : 416 .
( 10 ) المسالك 11 : 416 .