قلت : لا يخفى عليك مقامات هذه العبارة [ إن شهد لك فلان فهو صادق ] .
1 - فقد تصدر ممّن يريد الالتزام بالحقّ والاعتراف به ، فيقول إن شهد على ذلك فهو صادق ، أيلأنّ الواقع كما شهد [ 1 ] .
2 - وقد تصدر هذه العبارة ممّن يعلم ببراءة ذمّته وأنّه لا يقبل فيها شهادة شاهد ولا خبر مخبر فيريد من هذا التركيب شبه التعليق على محال ، وهذا المقام غالباً يجري بين المتخاصمين .
3 - وقد تصدر من الشاكّ فيريد بها بيان أنّي أعلم صدق ذلك بشهادة زيد إن شهد .
وغير ذلك من المقامات التي لا تخفى على من له أدنى خبرة بالمحاورات .
نعم قد يقال : إنّها مع قطع النظر من سائر المقامات تستلزم الإقرار بالحقّ باعتبار ظهور الحكم بالصدق في معلوميّة الواقع لديه ، وهو لا يختلف بالشهادة وعدمها [ 2 ] .
و [ المختار ] [ 3 ] عدم الفرق بين العبارة المزبورة وبين قوله : « إن شهد عليّ شاهد بذلك فهو صادق » .
بل [ قد قيل : ] [ 4 ] إنّ مثله « فهو صحيح » أو « حق » وهو كذلك بناءً على إرادة ما يساوي الصدق منه .
شرح
[ 1 ] فهو في الحقيقة بمنزلة أن يقول لمن شهد عليه فعلًا : « هو صادق » ، كما اعترف به في المسالك في أوّل كلامه « 1 » ، وبمنزلة من كان مطّلعاً مثلًا على قيام زيد فيقول : « كلّ من يخبر بقيامه فهو صادق » وإن أخبر به زيد فهو صادق ونحو ذلك .
[ 2 ] وحينئذٍ يكون التعليق فيها بمعنى أنّه إن شهد كان متّصفاً بالصدق وإن لم يشهد به لم يكن متّصفاً به ، ضرورة تبعية الصدق للإخبار بالواقع لا للواقع نفسه وإن لم يخبر به ، وحينئذٍ فالواقع واقع لا يتغيّر بشهادته وعدمها ، ولكن الاتّصاف بالصدق يدور مدار الشهادة وعدمها .
فمن الغريب إطناب ثاني الشهيدين تبعاً للشهيد في أنّ المقام كباقي صور التعليق « 2 » .
وأغرب منه دعوى إرادة التعليق على المحال من هذا التركيب على كلّ حال ، ومثله دعوى احتمالها كذلك لمحتملات متعدّدة ، ضرورة أنّه لا ينكر ظهور الحكم بالصدق لمن أخبر به فعلًا أو لمن يقدر إخباره به في اطلاع الحاكم إلى الواقع وانكشافه لديه ، ولذا حكم بصدق من يخبر به .
ومن ذلك كلّه يظهر لك الوجه فيما ذكره الشيخ « 3 » والمصنّف من الفرق بين تعليق الإقرار على شهادة زيد مثلًا وبين تعليق الوصف بالصدق ، وأنّ الثاني من لوازمه الإقرار بالحقّ بخلاف الأوّل .
بل ويظهر لك ما في كثير من الكلمات في المقام التي ذكرناها وغيرها ، فتأمّل جيّداً .
[ 3 ] [ كما ] ممّا ذكرنا قد ظهر لك [ ذلك ] .
[ 4 ] [ قاله ] في القواعد والمسالك « 4 » .
هامش
( 1 ) المسالك 11 : 11 .
( 2 ) انظر المسالك 11 : 11 - 12 ، غاية المراد 2 : 253 - 255 .
( 3 ) المبسوط 3 : 22 .
( 4 ) القواعد 2 : 411 . المسالك 11 : 11 .