[ وتجوز البراءة اللفظية عند التقيّة ] .
[ وهل يخرج عن الإسلام بالتلفّظ بالبراءة أم لا ؟ ] .
شرح
بل قوله تعالى :إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ« 1 » كالصريح في جوازها فضلًا عمّا دلّ على أنّ الإكراه ممّا رفع عن الامّة « 2 » ، فلا بدّ من حمل تلك النصوص على ضرب من المبالغة في أمر البراءة ، بل منه يستفاد في الجملة حكم المقام الذي هو قسم من البراءة أيضاً وإن كانت بعنوان الحلف المعلوم عدم انعقاده بها وحرمته ؛ لمعلوميّة عدم جواز الحلف بغير اللَّه .
بل في التنقيح : « التلفّظ بذلك - أيالبراءة - إن علّقه على محال لا يخرجه عن الإسلام ؛ لأنّ حكم المعلّق حكم المعلّق به ، وإن علّقه على ممكن فهل يخرج به عن الإسلام أم لا ؟ الحقّ نعم ؛ لقيام الدليل على وجوب الثبات على الاعتقاد الصحيح ، وامتناع الانتقال عنه . فإذا علّق على ممكن والممكن جائز الوقوع فيقع المعلّق عليه ، نعم إن كان المتلفّظ يعلم معنى التعليق كفّر في الحال ، وإلّا فلا » « 3 » . ولعلّه إلى ذلك أشار في الرياض ، حيث قال : « إنّ الحلف بالبراءة يحتمل الكفر في بعض صوره » « 4 » . وكأنّ مراده ب « - العلم بمعنى التعليق » قصده ، فيكون الحاصل أنّه متى قصد معنى التعليق وكان المعلّق عليه أمراً ممكناً نافى الجزم المأمور به في الاعتقاد .
نعم إن قصد بذلك المبالغة في الامتناع عن المحلوف عليه لم يكن كفراً . ولكن المتّجه على هذا عدم الفرق بين كون المعلّق عليه أمراً محالًا وعدمه ؛ ضرورة منافاة التعليق على كلّ حال للجزم .
ولعلّه لذا قال الكركي في حاشيته على الكتاب في المقام : « وهل يكفّر بذلك ؟ يحتمل ؛ لأنّ تعليق الكفر على بعض الحالات التي لا دخل لها في حصوله يقتضي الحصول بدونها ، والظاهر العدم ؛ لأنّه يراد بذلك المبالغة في المنع غالباً ، وما أشبهه بقول : إن شهد فلان فهو صادق » « 5 » إلى آخره . ولم يفرّق مع تحقّق التعليق بين كون المعلّق عليه محالًا أو لا ، نعم ظاهر كلامه أنّ احتمال الكفر لعدم مدخلية التعليق في تحقّق البراءة التي هي مقتضى الكفر ، إمّا لأنّها كالشتم والسب المعلّقين ، فإنّهما متحقّقان وإن علّقا ، وإمّا لأنّ البراءة ليست من قسم الإيقاع المعلوم الذي له آثار يرجع إليها التعليق ، بل هي ليست إلّامعناها الحاصل بقصد إنشائه سواء علّق أو لا . وعلى كل حال فلا ريب في ظهور كلمات الأصحاب في عدم الكفر في الفرض الذي أمروا فيه بالكفّارة والاستغفار . على اختلاف أقوالهم من المفيد إلى زماننا . قال في محكيّ المقنعة : « قول القائل : أنا بريء من الإسلام أو أنا مشرك إن فعلت كذا باطل ، لا يلزمه إذا فعل كفّارة ، وقسمه بذلك خطأ منه ، ويجب أن يندم عليه ويستغفر اللَّه تعالى شأنه » « 6 » . وكذا غيره وإن اختلفت كلماتهم في أصل الكفّارة وفي كيفيّتها وفي عدمها . وكذا ظاهر ما سمعته من المكاتبة « 7 » وغيرها . ولعلّه لأنّ المراد من اليمين بالبراءة غالباً المبالغة لا التعليق حقيقةً كي يتحقّق به الكفر الذي ينبغي أن يحمل عليه ما سمعته من خبر يونس بن ظبيان السابق « 8 » ، أو المبالغة في تحريم الصورة المزبورة والكفّ عنها .
هامش
( 1 ) النحل : 106 .
( 2 ) انظر الوسائل 15 : 369 ، ب 56 من جهاد النفس .
( 3 ) التنقيح 3 : 395 - 396 . وفيه : « المتلفّظ » بدل « التلفّظ » .
( 4 ) الرياض 11 : 239 .
( 5 ) حاشية الشرائع ( حياة الكركي ) 11 : 317 .
( 6 ) المقنعة : 559 .
( 7 ) تقدّم في ص 133 .
( 8 ) تقدّم في ص 134 .