وكيف كان فيستثنى من الحكم بالبطلان الإكراه بحقّ [ 1 ] .
وعلى كلّ حال فالطلاق الواقع بسببه صحيح .
ولا إشكال في ترتّب الحكم على لفظ المكرَه بحقّ بعد أن جعله الشارع من الأسباب ، من غير فرق بين العقود والإيقاعات وغيرها ، كالإسلام الحاصل من التلفّظ بالشهادتين ولو إكراهاً [ 2 ] .
ثمّ لا يخفى عليك أنّ « لفظ المكرَه » كغيره من الألفاظ يراد به المحمول على المكروه له واقعاً ، ولكن اكتفيفي تحقّقه بظاهر الحال المستفاد من تعقّب الفعل للتهديد . فلو فرض حصول ما يرفع الظهور المزبور منه حكمبصحّة الطلاق [ 3 ] . بناءً على أنّ الكراهة مانع ولم يتحقق ، أو حصول ما يظهر منه الاختيار بناءً على أنّه الشرط ، ويكفي في الحكم بتحقّقه ظهوره .
وعلى كلّ حال فقد ذكروا أنّ من ذلك ما إذا خالف المكرَه وأتى بغير ما حمله عليه ، فإنّ مخالفته له تشعربالاختيار أو ترفع ظهور الكراهة ، وله صور :
1 - منها : أن يكرهه على طلقة واحدة فيطلّق ثلاثاً ، فإنّه يشعر برغبته واتّساع صدره له حتى الأولى ، فيقعالجميع ، مع احتمال وقوع الأخيرتين دون الأولى التي لا معارض لمقتضى الإكراه فيها . ولو أوقع الثلاث بصيغةواحدة وكان ممّن يعتقد وقوع الواحدة بها فهو كمن أوقعها واحدة ، وإن كان ممّن يعتقد وقوعها ثلاثاً وقع عليهالثلاث .
-
شرح
[ 1 ] ولعلّ منه ما في خبر محمّد بن الحسن الأشعري قال : كتب بعض موالينا إلى أبي جعفر عليه السلام معي : أنّ امرأة عارفة أحدثزوجها فهرب ، فتبع الزوج بعض أهل المرأة ، فقال : إمّا طلّقت ، وإمّا رددتك فطلّقها ، ومضى الرجل على وجهه ، فما ترى للمرأة ؟ فكتب بخطّه عليه السلام : « تزوّجي يرحمك اللَّه تعالى » « 1 » . وعن بعض الناس أنّ منه [ / المستثنى ] أيضاً التهديد بقتل أو قطعمستحقّ عليه « 2 » . وقد يقال : إنّه ليس إكراهاً أصلًا .
[ 2 ] لكن في المسالك : « لا يخلو ذلك من غموض من جهة المعنى وإن كان الحكم به ثابتاً من فعل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فما بعده ؛ لأنّكلمتيالشهادة نازلتان في الإعراب عمّا في الضمير منزلة الإقرار ، والظاهر من حال المحمول عليه بالسيف أنّه كاذب ، لكن لعلّالحكمة فيه أنّه مع الانقياد ظاهراً وصحبة المسلمين والاطّلاع على دينهم يوجب له التصديق القلبي تدريجاً ، فيكون الإقرار اللسانيسبباً في التصديق القلبي » « 3 » . قلت : قد يقال إنّ ظاهر الأدلّة الحكم بإسلام قائلهما ما لم يعلم كذبه ، فالمنافق المعلوم حاله لا إشكال في كفره . نعم لا عبرة بالظاهر المزبور [ وهو ظهور شهادة المحمول عليه بالسيف في الكذب ] ؛ إذ يمكن مقارنة الإسلام واقعاًللإكراه الظاهري ، بل يمكن صيرورته داعياً له في الواقع ، وحينئذٍ فلا غموض . ودعوى تنزيلهما منزلة الإقرار بالنسبة إلى ذلكممنوعة ، نعم هي سبب شرعي في الحكم بالإسلام وحقن المال والدم ما لم يعلم مخالفة باطن قائلها .
[ 3 ] للعمومات .
هامش
( 1 ) الوسائل 22 : 57 ، ب 26 من مقدّمات الطلاق ، ح 4 ، وفيه : « فهرب عن البلاد » .
( 2 ) لم نعثر عليه .
( 3 ) المسالك 9 : 19 .