. . . . . . . . . . . . . . . . -
شرح
وأيضاً فإنّه قد قرن تحريم المتعتين بلفظ واحد ولم يدّع أحد منهم النسخ في متعة الحجّ ، بل صرّحوا بدوام الحكم ، بل عن بعضهم دعوى الإجماع على الجواز ، وحينئذٍ فحمل الكلام على ظاهره من إسناد التحريم إلى نفسه فيهما متعيّن ، وإلّا فحمله على النسخ في خصوص متعة النساء بعيد جدّاً ، بل مقطوع بفساده .
على أنّ الأخبار التي رووها في النسخ متناقضة على وجه يعلم منه أنّها موضوعة . فإنّهم رووا أنّها أبيحت عام الفتح ، وأنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخرج من مكّة حتّى حرّمها « 1 » ، وأنّها أبيحت عام أوطاس ثلاثة أيّام « 2 » أو يوماً أو ليلة ، وأنّها أبيحت في حجّة الوداع ، ثمّ نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنها « 3 » ، وأنّها أبيحت أوّل الإسلام حتّى نزلت « 4 » :إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ« 5 » الآية وأنّها نسخت يوم خيبر ويوم تبوك « 6 » ، وأين حجّة الوداع والفتح وخيبر وتبوك عن أوّل الإسلام كما أنّه أين هو وأين عام أوطاس ؟
على أنّ هذه الآية تكرّرت في سورتين سورة المعارج « 7 » والمؤمنون وهما مكّيان كما ذكره المفسّرون فكيف ينسخ بها ما حكمه مدني ؟
وقد التجأوا في رفع هذا الاختلاف إلى القول بتكرّر التحريم والإباحة وليس هو كذلك .
ولكن لمّا لم يكن لدعوى النسخ أصل وإنّما أرادوا بافترائه رفع الطعن وقد توارد خاطر جماعة على ذلك ، فوضع كلّ منهم من غير أن يعلم بالآخر ، فحصل ما حصل ممّا يعلم به الزور في الأخبار والشهادة عند تفريق الشهود ، كما هو المعروف في قصّة دانيال « 8 » .
كلّ ذلك مضافاً إلى :
1 - دلالة الآية « 9 » على مشروعيّتها ، فإنّها كما عن أكثر المفسّرين من العامّة فضلًا عن الخاصّة نزلت فيه .
بل قد يؤيّد ذلك لفظ « الاستمتاع » بناءً على أنّه حقيقة في المنقطع ، وإن كان في اللغة موضوعاً للانتفاع والالتذاذ ، بل لو لم نقل بثبوت الحقيقة الشرعيّة فيه أمكن القول بتعيين الحمل عليه ؛ لتعذّر إرادة اللغويّة منه باعتبار تعليق « الأجر » عليه ، ومن المعلوم عدم دورانه مداره .
كما أنّه يؤيّده أيضاً ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام وعبد اللَّه بن عبّاس وعبد اللَّه بن مسعود وابيبن كعب ومجاهد وعطاء وجماعة كثيرة من الصحابة والتابعين من أنّهم كانوا يقرأون « فما استمتعتم به منهنّ إلى أجل مسمّى » « 10 » .
بل قد يؤيّد أيضاً بظهور لفظ « الأجر » في العوض للمؤجّل ، فإنّه يسمّى في النكاح الدائم صداقاً ونحلًا وفرضاً . وإطلاقه عليه
هامش
( 1 ) سنن البيهقي 7 : 202 .
( 2 ) المصدر السابق : 204 .
( 3 ) المصدر السابق : 203 .
( 4 ) المصدر السابق : 205 - 206 .
( 5 ) المؤمنون : 6 .
( 6 ) سنن البيهقي 7 : 201 - 207 .
( 7 ) المعارج : 30 .
( 8 ) الوسائل 27 : 277 - 278 ، ب 19 من كيفيّة الحكم ، ح 1 .
( 9 ) النساء : 24 .
( 10 ) الدرّ المنثور 2 : 484 . مجمع البيان 2 : 32 .