وعلى كلّ حال فلا شغار فيما لو قال : « زوّجتك جاريتي على أن تزوّجني بنتك وتكون رقبة جاريتي صداقاً لبنتك » وصحّ النكاحان [ 1 ] .
ولو زوّج عبده من امرأة وجعل رقبته صداقاً لها بطل المهر [ 2 ] ، ويثبت مهر المثل ويصحّ العقد على الأقوى .
وكيف كان فالأقوى أنّ بطلان الشغار [ هو الأصح ] [ 3 ] .
شرح
[ 1 ] أمّا نكاح الجارية فلأنّه لم يشتمل على شغار ، وإنّما اشترط فيه شرط لا يجب الوفاء به ، بناءً على ما عرفت فيفسد نفس الشرط . وأمّا نكاح البنت فلقبول الرقبة للنقل ، وهي التي جعلت مهراً .
وليس نكاحها تشريكاً للمرأة والزوج فيما تناوله عقد النكاح - وهو البضع - ليكون شغاراً ، فإنّ الرقبة غير البضع وإن تبعها ، وبطل المهر لكلّ منهما إن زوّجه الآخر بنته على تزويج الجارية وكون الرقبة مهراً ؛ لأنّه شرط نكاح إحداهما في الأخرى .
وقد عرفت أنّه ليس شرطاً للنكاح ، فجعل جزء المهر نكاح البنت ومهراً لنكاح الجارية وهو مجهول ، فيجهل المهر المسمّى فيبطل ، ويجب مهر المثل لكلّ منهما وإن كان في ذلك كلّه ما عرفت .
[ 2 ] لأنّ صحّته يؤدّي إلى فساده ؛ إذ هي تقتضي ملكه ، وهو يمنع العقد فيبطل المهر حينئذٍ .
[ 3 ] للنهي عنه المقتضي للفساد في المعاملة على ما حقّقناه في الأصول ، لا لأنه تعليق بمعنى أنّه علّق فيه التزويج على التزويج ؛ ضرورة عدم اعتبار التعليق فيه في متن العقد ، بل هو غير مقصود للمتعاقدين به ، وإنّما قصدهما إلزام كلّ منهما الآخر بالتزويج بلا مهر غير البضع ، وهو المسمّى في عرفنا الآن بالمباضعة .
ولا لأنّه اشتراط عقد في عقد ؛ ضرورة عدم اقتضاء ذلك الفساد ، وقد سمعت تصريحهم بالصحّة في اشتراط النكاح في النكاح بمهر معلوم ، ولا لاشتراك البضع بين الامرأة المجعول في مهرها وبين الرجل الذي وقع له عقد النكاح ، فأشبه نكاح الامرأة من رجلين .
مضافاً إلى عدم قابليّة البضع مهراً ؛ ضرورة اقتضاء ذلك كلّه فساد المهر لا العقد ولا ملازمة بينهما في النكاح .
ومن هنا ذهب أبو حنيفة « 1 » إلى صحّة نكاح الشغار والرجوع إلى مهر المثل . لكن يردّه ما سمعت من اقتضاء النهي عنه الفساد . ودعوى رجوع النهي إلى المهر لا إلى أصل النكاح ، يدفعه : أنّه واقع عن الشغار ، وهو اسم للنكاح المخصوص ، بل لا ينكر ظهور النصوص « 2 » المزبورة في إرادة النهي عنه من حيث كونه شغاراً نحو النهي عن بيع الحصاة والملامسة « 3 » . وحلّية أصل النكاح لا ينافي ذلك ، ولعلّ هذا أولى من تعليل الفساد بما سمعت . وإن كان الذي وقفت عليه ممّن تعرّض ذلك من أصحابنا تعليله بما عرفت .
وفي المسالك وكشف اللثام « 4 » اختيار التعليل فيها بالاشتراك بالبضع الذي يمكن منع حصوله في شغار المملوكتين اللتين لا يملكان المهر . بل قد يمنع فيما أثبتوه من الشغار في جانب كما في المثال الذي سمعته ، فإنّه ليس فيه بضع مشترك بين الامرأة وبين الرجل ، وكأنّهم تبعوا بعض العامّة في تعليل الفساد . لكنّ الذي حكاه في شرح الإسعاد عن الإمام منهم أنّه أبطل تعليل الفساد بالاشتراك . وبالتعليق ، وجعل منشأ الفساد النهي كما قلناه .
هامش
( 1 ) المبسوط ( للسرخسي ) 5 : 105 .
( 2 ) انظر الوسائل 20 : 303 ، ب 27 من عقد النكاح .
( 3 ) الوسائل 17 : 358 ، ب 12 من عقد البيع ، ح 13 .
( 4 ) المسالك 7 : 421 . كشف اللثام 7 : 263 .