. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
ومنها ما دل على أنّها منسوخة بقوله تعالى :وَلا تَنْكِحُوا« 1 » إلى آخرها .
ومن المعلوم أنّ النسخ بأحدهما لا يجتمع مع النسخ بالأخرى ؛ لاستحالة نسخ الشيء ورفعه بعد زواله وارتفاعه .
ومنه يعلم أنّ ما تضمّنته رواية الطبرسي « 2 » من إسناد النسخ إليهما معاً خلاف ما يقتضيه الاعتبار ، إلّاأن يقال : إنّ الناسخ هو إحدى الآيتين خاصّة ، وإنّما أضيف النسخ إلى الأخرى لكونها بمنزلة الناسخ من حيث الدلالة على ما يخالف حكم المنسوخ وإن حصل الرفع بغيرها ، أو ما من شأنه النسخ به .
أو يقال بتكرّر النسخ ، وأنّ المنسوخ هو حلّ الكتابيّة لا من حيث استفادته من خصوص الآية بل حلّها مطلقاً وإن كان لأجل السنّة ، لكن الكلّ كما ترى .
وأيضاً قد عرفت أنّ الظاهر من آية النهي عن الإمساك المنع عن البقاء على نكاح الكوافر واستدامته ، كما نصّ عليه المفسّرون ، فيشكل الحكم بكونه ناسخاً لحلّ الكتابيّة ؛ للإجماع على بقاء النكاح إذا أسلم زوج الذميّة دونها وإن اختلفوا في جواز نكاحها ابتداءً وعدمه ، ولا تجدي أولويّة المنع عن الابتداء بعد انتفاء حكم الأصل .
نعم يصحّ جعل الآية ناسخة لو حمل الإمساك على ما يعمّ الابتداء والاستدامة ، لكنّه خلاف المتبادر من اللفظ ، ولذا لم يذكره المفسّرون .
وأمّا النسخ بقوله تعالى :وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ« 3 » فيتوجّه عليه منع دخول الكتابيّة في المشركة ؛ لأنّ المتبادر من « الشرك » في إطلاق الشرع غير أهل الكتاب كما يؤيّده عطف « المشركين » على « أهل الكتاب » وبالعكس في كثير من الآيات « 4 » ، وهذا لا ينافي اعتقادهم ما يوجب الشرك ؛ إذ ليس الغرض نفي الشرك عنهم ، بل عدم تبادره من إطلاق لفظ « المشرك » .
وادّعاء النسخ بالآية لفهم العموم منها بالقرائن وإن كان ممكناً ، إلّاأنّه خلاف ظاهر الرواية الدالّة على النسخ بها من غير التفات إلى قرائن العموم ، فوجب حينئذٍ طرح ما دلّ على ذلك أو تأويله .
على أنّ خبر ابن الجهم « 5 » ليس فيه إلّاأنّه تبسّم وسكت ، ويمكن أن يكون تبسّمه على اشتباهه خصوصاً والإمام عليه السلام سأله عن تزويج النصرانيّة على المسلمة الظاهر في المفروغيّة من جواز نكاحها لا على مسلمة .
وأيضاً صدر آية المائدة بقوله تعالى :الْيَوْمَ أُحِلَّ« 6 » إلى آخرها المراد منه بحسب الظاهر ما تعلّق بالكتابيّين ، فإنّه ظاهر في تجدّد الحلّ ورفع الحرمة السابقة ، فهو حينئذٍ كالصريح في انّه ناسخ لا منسوخ .
على أنّه لو أغضينا عن ترجيح ما ذكرناه ، وقلنا : إنّ خبر الواحد لا يثبت به النسخ ولا الناسخ فلا أقلّ من التعارض ، ولا ريب في أنّ التخصيص أولى من النسخ ، وهو حاصل بتحكيم سورة المائدة .
هامش
( 1 ) البقرة : 221 .
( 2 ) انظر : مجمع البيان 2 : 162 .
( 3 ) البقرة : 221 .
( 4 ) البقرة : 105 . البيّنة : 1 ، 6 .
( 5 ) الوسائل 20 : 534 ، ب 1 ممّا يحرم بالكفر ، ح 3 .
( 6 ) المائدة : 5 .