تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 347

مساهمون:

ص٣٤٧
. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
ولذا أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قيس بن حارث عند نزول الآية - وكان تحته ثمانية - أن يطلّق أربعاً ويمسك أربعاً قال : « فجعلت أقول للمرأة التي لم تلد : يا فلانة أدبري ، والتي قد ولدت : يا فلانة أقبلي » « 1 » . فمن الغريب دعوى بعض الناس « 2 » عدم دلالة الآية « 3 » على تحريم ما زاد ، وإنّما استفيد من دليل آخر . ثمّ إنّ هذه الألفاظ معدولة عن أعداد مكرّرة هي ثنتين ثنتين ، وثلاث ثلاث ، وأربع أربع . وهي غير منصرفة للعدل والصفة ، فإنّها بنيت صفات وإن كان أصولها لم تبن لها . وقيل « 4 » : عدم انصرافها لتكرير العدل عدلها عن صيغها وعدلها عن تكرّرها ، أي أنّ الأصل كان اثنين اثنين مثلًا فغيّر اللفظ إلى مثنى وعدل بها عن التكرير ، فصار بها عدلان لفظي ومعنوي ونصبها على البدليّة من المفعول ، أو على الحال من فاعل « طاب » ، ومعنى الحاليّة فيها مثلها في قولك : « جئت فارساً وراجلًا وحافياً وناعلًا » تريد أنّك جئت في كلّ حال من هذه الأحوال لا أنّك جئت في حال ثبوت جميعها . وكذا الحال في الآية ، فإنّ المراد جواز النكاح في كلّ حال من الأحوال الثلاثة دون مجموعها ، وإلّا لزم نكاح التسع . وإليه يرجع ما عن الكشاف « 5 » من تقدير الحال المذكورة فانكحوا الفتيات معدودات ، هذا العدد ثنتين ثنتين ، وثلاثاً ثلاثاً وأربعاً أربعاً . وعلى كلّ حال فمقتضى العطف بالواو جمع المتعاطفة في الجواز لا جواز الجمع بينها فلا يلزم نكاح التسع . بل قيل « 6 » : معنى الآية « 7 » الإذن لكلّ ناكح يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكور متّفقين فيه ومختلفين كقولك : « اقتسموا هذه البدرة درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة » . ولو أفردت كان المعنى تجويز الجمع بين هذه الأعداد دون التوزيع ، ولو ذكرت ب « - أو » لذهب تجويز الاختلاف في العدد . وإن كان لا يخلو من نظر ؛ لما عرفت من أنّ الجمع بالحكم لا يقتضي الحكم بالجمع ، فلا يلزم من الأفراد تجويز الجمع بين الأعداد ، ولأنّ تجويز الأعداد لجماعة المخاطبين بمعنى تجويزه لكلّ واحد منهم لا للمجموع من حيث الاجتماع . فالتخيير الذي يقتضيه العطف ب « - أو » لو كان يكون لكلّ ناكح يريد الجمع ، فلو اختلفوا لم يفعلوا إلّاما هو الجائز كما لو اتّفقوا ، فلا يلزم أن يذهب تجويز الاختلاف على تقديره . نعم يمكن أن يقال : إنّ العطف ب « - الواو » للدلالة على جواز كلّ من الأعداد لكلّ جامع أو مريد للجمع ، فيجوز الأربع لواجد الثلاث بالتكميل وكذا الثنتان بالنقص ، ولو عطف ب « - أو » لذهب التجويز في حقّ الجامع ؛ لأنّه قد استوفى العدد المباح له ، فلا يجوز له غيره على ما يقتضيه التخيير . وكيف كان فالغرض دلالة الآية على المطلوب من دون حاجة إلى جعل الواو فيها بمعنى « - أو » كما في جامع المقاصد والمسالك « 8 » ؛ معلّلين ذلك بأنّها لو بقيت على معناها اقتضت الآية جواز نكاح الثمانية عشر . وفيه أوّلًا : أنّ مثنى مثلًا بمنزلة اثنين اثنين ذكراً وهو أعمّ من كونه اثنين واثنين على جهة التغاير ، ولذا قال بعضهم « 9 » : إنّه يلزم نكاح التسع لا الثمانية عشر . وثانياً : أنّ إباحة هذه المراتب من الأعداد من حيث كونها أعداداً لا تقتضي جواز الجمع على الوجه المزبور ؛ ضرورة عدم كون المراد من إباحة الثلاثة مثلًا أنّها أفراد غير الاثنين والأربعة غير الثلاثة . بل قد عرفت أنّ الواو تقتضي الجمع في الحكم الذي هو الإباحة لا الحكم بالجمع كما هو واضح . والأمر سهل بعد ضروريّة أصل الحكم الذي لا فرق فيه بين الابتداء والاستدامة .
هامش
( 1 ) سنن البيهقي 7 : 183 ، مع اختلاف . ( 2 ) انظر الرياض 10 : 217 . ( 3 ) النساء : 3 . ( 4 ) لم نعثر عليه بعينه ، نعم يوجد بعضها في تفسير البيضاوي 1 : 320 . كنز الدقائق 2 : 354 . ( 5 ) الكشاف 1 : 467 - 468 . ( 6 ) البحر الرائق 3 : 186 . ( 7 ) النساء : 3 . ( 8 ) جامع المقاصد 12 : 374 . المسالك 7 : 347 . ( 9 ) كنز العرفان 2 : 141 .