وكيف كان فاعلم أنّ النكاح إنّما يوصف بالاستحاب مع قطع النظر عن العوارض اللاحقة وإلّا فهو بواسطتها تجري عليه الأحكام الأربعة الباقية ، فيجب مع النذر وشبهه [ 1 ] . ومع ظنّ الضرر بالترك [ 2 ] .
ويحرم إذا أفضى إلى الإخلال بواجب كالحجّ ، ومع الزيادة على الأربع . ويكره مع انتفاء الشهوة بالكلّية ، كما في العنين والمريض مرضاً ملازماً يمنعه عن الوطء ، فإنّ الظاهر رجحان الترك بالنسبة إليه [ 3 ] .
[ وإن كان إثبات الكراهة المصطلحة في ذلك لا يخلو من نظر ] . ويتّصف بالإباحة إذا تضمّن ترك النكاح مصلحة تساوي مصلحة الفعل فإنّ ذلك قد يتّفق ، كما إذا خاف من تلف مال معتدّ به له بواسطة التزويج أو تضييع عيال له في محلّ آخر مع وجود الشهوة وكمال الرغبة [ 4 ] .
هذا ، وربّما تجري الأحكام الخمسة على النكاح باعتبار المنكوحة فالواجب التزويج بمن يترتّب عليه ضرر يجب عليه دفعه بترك تزويجها . قيل « 1 » : وما لو علم وقوع الزنى من أجنبية وأنّه لو تزوّجها منعها منه ولا ضرر فيجب كفاية ، ويتعيّن عند عدم قيام غيره به .
شرح
[ 1 ] لرجحانه بالأصل .
[ 2 ] لوجوب دفع الضرر المظنون . قيل : و [ يجب ] عند خوف الوقوع في المحرّم بدونه « 2 » .
وفيه : أنّ ذلك لا يقتضي الوجوب ؛ ضرورة بقاء الاختيار الذي يكفي في عدم الوقوع فيه ، فلا يتوقّف على التزويج . اللهّم إلّا أن يريد أنّه أحد الأفراد التي تكون سبباً لعدم الوقوع في المحرّم ، وهو كما ترى .
[ 3 ] لانتفاء مصالح النكاح فيه ، ومنعه الزوجة من التحصّن بغيره ، ولاشتغاله عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه ، كذا قيل « 3 » ، وفيه : أنّ إثبات الكراهة المصطلحة بذلك لا يخلو من نظر .
[ 4 ] قيل : وكذا مع عدم قصد الامتثال وإرادة الطاعة بالتزويج فإنّ النكاح إنّما يتّصف بالاستحباب مع قصد التقرّب به ، فبدونه يكون مباحاً « 4 » . وفيه : ما عرفت من عدم اعتبار ذلك في مستحبّ المعاملات وواجبها . وقال ثاني الشهيدين :
« إنّ الإباحة لا تتّفق على القول المشهور إلّاللغافل عن القصد الراجح ، والكلام في الأحكام الخمسة للقاصد ، ويمكن فرضه عند الشيخ لمن لم تتق نفسه ، فإنّه في المبسوط اقتصر فيه على نفي الاستحباب وظاهره بقاء الإباحة ؛ إذ لا قائل بالكراهة » « 5 » . وفيه : أنّه يمكن فرض الإباحة على القول المشهور بما عرفت ، فلا ينحصر في الغافل عن القصد الراجح . على أنّ ما ذكره من أنّ الكلام في الأحكام الخمسة للقاصد لا يقتضي نفي الإباحة مع الغفلة عن القصد الراجح خاصّة إن أراد بالقصد مطلق القصد ، كما هو الظاهر ، وإن أراد به خصوص القصد الراجح فحصر الكلام في الأحكام الخمسة فيه باطل ؛ إذ لا ريب في البحث عنها من دون اعتبار الرجحان وأيضاً ما حكاه عن الشيخ ليس بجيّد ؛ لتصريح الشيخ - كما قيل « 6 » - في المبسوط « 7 » : بأنّ من لا يشتهي النكاح يستحبّ له أن لا يتزوج ، ومقتضاه كراهة التزويج له لا إباحته .
هامش
( 1 ) المصابيح : 638 ( مخطوط ) .
( 2 ) المسالك 7 : 14 .
( 3 ) مصابيح الأحكام : 637 ( مخطوط ) .
( 4 ) مصابيح الأحكام : 630 ( مخطوط ) .
( 5 ) المسالك 7 : 15 .
( 6 ) المصابيح : 638 ( مخطوط ) .
( 7 ) المبسوط 4 : 160 .