هذا كلّه في الهبة الصحيحة .
( و ) أمّا ( لو كانت الهبة فاسدة صحّ البيع على جميع الأحوال ) ، من غير فرق فيها بين هبة الرحم والمعوّض عنها وغيرهما [ 1 ] ، بل لعلّه كذلك في حالي العلم بالفساد والجهل به [ 2 ] .
( وكذا القول فيمن باع مال مورّثه وهو يعتقد بقاءه ) [ 3 ] . [ ولا إشكال في الفرق بينهما بعد مصادفته لجميع
شرح
[ 1 ] ضرورة بقاء المال حينئذٍ على ملك مالكه ، بل في القواعد الإجماع على ذلك « 1 » .
[ 2 ] وإن كان قد يشكل في الثاني بما في المسالك « 2 » من عدم قصده النقل عن ملكه لبنائه على أنّه ملك غيره ، والعقود تابعة للقصود ، ولعلّه لو علم بالفساد وأنّ المال ماله لم يبعه ، بل على تقدير احتمال إرادته البيع مطلقاً ، فمجرّد إيقاعه البيع أعمّ من قصده إليه على تقدير علمه بملكه وعدمه ، والعامّ لا يدلّ على الخاصّ ، فالقصد إلى البيع على تقدير كونه مالكاً مشكوك فيه ، فلا يكون العقد فيه معلوم الصحّة . لكن قد يدفع :
أوّلًا : بأنّ المفروض صدور البيع منه ، على أنّه رجوع بالهبة التي يزعم صحّتها على حسب البيع المذكور في المسألة السابقة ، وهذا لا يكون إلّابقصد نقل ملكه . ولعلّه لذا حكي في القواعد الإجماع كما سمعت وإن حكي الخلاف فيها فيمن باع مال مورّثه فبان موته ، واستوجه الصحّة في كتاب البيع « 3 » لوضوح الفرق بينهما حينئذٍ .
وثانياً : أنّ وقوع البيع يقتضي قصد نقل المال إلى المشتري ، وكونه عنه أو عن غيره ليس من مشخّصاته ، ولذا لو قصد بيع مال الغير عن نفسه لم يخرج عن الفضولية ، فكذا لو قصد بيع ماله ولو واقعاً عن غيره لم يخرج عن كونه بيعاً لازماً .
كما أنّه يدفع الأخير بأنّ إيقاع العقد واللفظ الصريح كافٍ في الدلالة على القصد إليه شرعاً ، نحو نظائره من العقود ؛ إذ لا يشترط في صحته العلم بكونه قاصداً إلى ذلك الشيء حيث يكون شرعياً ، بل يحمل إطلاق لفظه حيث يتجرّد عن قرائن عدم القصد على كونه قاصداً بخلاف الهازل والمكره .
وممّا ذكرنا يظهر لك النظر فيما في المسالك من استحسان الرجوع إلى قوله ، بمعنى أنّه إن أخبر عن قصده إرادة البيع وإن كان مالكاً صحّ ، وإن قصده لكونه فضولياً لم يصحّ على تقدير ظهور كونه مالكاً ؛ لعدم توجّه قصده إلى البيع اللازم ، ولأنّ هذا أمر لا يمكن معرفته إلّامنه ، فيرجع إليه فيه كنظائره « 4 » ، حتى أنّه [ / صاحب المسالك ] أشكل [ في ] قول المصنّف : [ وكذا القول . . . ] .
[ 3 ] الظاهر في أنّ مفروض المسألة السابقة حال الجهل أيضاً بقرينة التشبيه بما قدّمه من عدم قصده إلى البيع اللازم وإنّما قصد الفضولية ، فينبغي أن يعتبر رضاه به بعد ظهور الحال ، خصوصاً مع ادّعائه عدم القصد على تقدير كونه مالكاً . ثمّ قال : « ولعلّه أقوى لدلالة القرائن عليه ، فلا أقلّ من احتماله احتمالًا مساوياً للقصد إلى البيع مطلقاً ، فلا يبقى وثوق بالقصد المعتبر في لزوم البيع » « 5 » .
وفيه ما لا يخفى بعد الإحاطة بما ذكرناه من عدم تشخيص العقد بذلك وإن قصده ، فيترتّب عليه حينئذٍ ما يقتضيه من الأثر إن لزوماً فلزوم ، وإن فضولًا ففضول ، وحينئذٍ فلا مدخلية لبيان حمل المطلق على قصد البيع لنفسه وعدمه .
هامش
( 1 ) القواعد 2 : 409 .
( 2 ) المسالك 6 : 50 .
( 3 ) القواعد 2 : 409 ، 19 .
( 4 ) المسالك 6 : 50 - 51 .
( 5 ) المسالك 6 : 50 - 51 .