ومن ذلك كلّه يظهر لك أنّ وقف الدار - مثلًا - يقع على وجوه : أحدها : وقفها ما دامت داراً فانهدمت والظاهر كونها من منقطع الآخر . ثانيها : وقفها داراً على معنى أنّه ينتفع بها داراً ، والظاهر أنّها وقف كذلك ما دامت صالحة لذلك ، وإن انهدمت . نعم إذا خرجت عن قابلية ذلك على وجه لا يرجى عودها أمكن القول ببطلان وقفها . ثالثها :
وقف الدار على معنى تسبيل منفعتها كائنة ما كانت وإن قارن كونها داراً حال الوقف ، والظاهر بقاء وقفها ، بل يجوز تغييرها اختياراً . رابعها : وقفها داراً وعلم إرادة دوام أصل الوقف منه فاتفق انهدامها ، والظاهر عدم جواز تغييرها اختياراً ، لكن إذا انهدمت جاز له الانتفاع بها على غير وجه الدارية إلّامع التصريح .
وقد ذكرنا تفصيل بعض ذلك في كتاب البيع في مسألة بيع الوقف إذا أدّى بقاؤه إلى خرابه .
( و ) من ملاحظته يعلم الحال فيما ( لو وقع بين الموقوف عليهم خلف بحيث يخشى خرابه ) وإن قال المصنّف هنا : ( جاز بيعه ) جازماً به .
إلّاأنّ المسألة شديدة الإشكال والاختلاف وقد استقصينا الكلام فيها هناك بحمد اللَّه تعالى شأنه .
28 / 111
( و ) كذا فيما ( لو لم يقع خلف ) بينهم ( ولا يخشى خرابه ، بل كان البيع أنفع لهم ) وإن ( قيل ) : إنّه ( يجوز بيعه ) حينئذٍ في ذلك . ( و ) لكن ( الوجه المنع ) كما ذكرنا الكلام فيه مفصّلًا . ( و ) منه يعلم الحكم أيضاً فيما ( لو انقلعت نخلة من الوقف ) . وإن قال المصنّف هنا ( قيل ) [ 1 ] : ( يجوز بيعها ؛ لتعذّر الانتفاع إلّابالبيع ، وقيل ) [ 2 ] :
( لا يجوز لإمكان الانتفاع بالإجارة للتسقيف وشبهه ، وهو أشبه ) [ 3 ] .
شرح
[ 1 ] والقائل الشيخ في محكي مبسوطه وخلافه « 1 » .
[ 2 ] والقائل ابن إدريس « 2 » .
[ 3 ] وفي المختلف : أنّ النزاع بينهما لفظي ؛ لأنّ الشيخ فرض عدم الانتفاع إلّابالبيع ، وابن إدريس فرضه بالتسقيف ونحوه « 3 » . قلت : عبارة الخلاف : « لأنّه لا يمكن الانتفاع بها إلّاعلى هذا الوجه ؛ لأنّ الوجه الذي شرطه الواقف قد بطل ، ولا يرجى عوده » « 4 » . وعبارة المبسوط : « جاز بيعها لأرباب الوقف ؛ لأنّه تعذّر الانتفاع بها على الوجه الذي شرطه وهو أخذ ثمرتها » « 5 » . وظاهرهما بطلان الوقفية المقتضية لحبس العين وعدم جواز بيعها ، ببطلان المنفعة التي وقفت العين أيحبست العين عن النواقل لإرادة استيفائها ، فلا يجب حينئذٍ على الموقوف عليه حبسها لغيرها من المنافع ، وإن كانت صالحة للانتفاع بها مع بقاء عينها ، وحينئذٍ يكون الخلاف معنوياً لالفظياً ، وإن زعمه الفاضل في المختلف . بل لعلّ كلام الشيخ لا يخلو من قوّة ، وإن خالفه من تأخّر عنه ، خصوصاً مع ملاحظة الواقف ذلك قيداً في وقفه ، كما هو مقتضى تعبير الشيخ بالشرطيّة ، وحينئذٍ يرجع إلى ما ذكرناه في البيع وفي المقام من أنّه متى جعل الجاعل هيئة الموقوف عنواناً في وقفه فذهبت الهيئة بطلت الوقفية المقتضية لتحبيس الأصل وجاز البيع للموقوف عليهم لا للواقف كما أوضحناه في كتاب البيع .
هامش
( 1 ) المبسوط 3 : 300 - 301 . الخلاف 3 : 551 .
( 2 ) السرائر 3 : 167 .
( 3 ) المختلف 6 : 316 .
( 4 ) الخلاف 3 : 552 .
( 5 ) المبسوط 3 : 300 - 301 .