( وقيل ) [ 1 ] : ( القول قول المالك في عدم العارية ) التي ادّعاها الراكب .
( فإذا حلف ) حينئذٍ ( سقطت دعوى الراكب وتثبت عليه أجرة المثل لا المسمّى ) الذي نفاه الراكب أيضاً بيمينه [ 2 ] . نعم تكون على الراكب أجرة المثل إذا صارت مساوية للمسمّى أو أقلّ منه ، لا إذا كانت أزيد [ 3 ] .
شرح
[ 1 ] كما عن ابن إدريس ، وإجارة المهذب « 1 » . بل لعلّه المشهور ، لما ستعرف من رجوع غيره إليه .
[ 2 ] إذ هو منكر بالنسبة إليه . ولا ينافي ذلك ثبوت أجرة المثل التي هي قيمة المنفعة التي قد اعترف باستيفائها وهي كالعين بالنسبة إلى الماليّة ، والأصل احترام مال المسلم كدمه وعرضه ، بمعنى الحكم بضمانه على من هو عنده ، حتى يثبت ما يقتضي عدمه من عارية وإباحة مجانيّة ؛ ضرورة أنّ طيب نفسه شرط في حلّ ماله ، والشكّ فيه شكّ في الشرط ، وهو الموافق ؛ لعموم « من أتلف » و « على اليد » وغيرهما ، وعليه بني تقديم قول مدعي القرض على مدعي الوديعة في صحيح إسحاق بن عمار ومدعي الغصب على مدعي العارية أيضاً .
[ 3 ] لاعترافه [ / المالك ] حينئذٍ - بدعواه المسمّى - بعدم استحقاقها ، وإن انتفت دعواه بيمين الراكب ، لكن انتفاؤها بالنسبة إلى إلزامه بها ، لا ما يعود منها إلى المدّعي الذي هو مقتضى التزامه بإقراره . ولا ينافي ذلك إطلاق المصنّف أجرة المثل المنزّل على مساواتها للمسمّى غالباً أو على إرادة بيان أصل ثبوت الأجرة أو نحو ذلك . وبذلك ظهر انقطاع أصالة البراءة بالقاعدة المزبورة [ وهي قاعدة احترام مال المسلم ] . كما أنّه ظهر الجواب عن إشكال استحقاق الأجرة بعد انتفاء دعواه الإجارة بيمين الراكب ، باعتبار حصر استحقاقه باعترافه بالإجارة المفروض انتفاؤها بيمين الراكب ؛ إذ هو معارض أيضاً بانتفاء المجانيّة التي ادعاها الراكب باعتبار حصر سببها باعترافه بالعارية المفروض انتفاؤها بيمين المالك ، فلمّا انتفيا معاً رجع الحاكم إلى أصل آخر يقتضي غرامة الراكب ، وهو أصالة ضمان مال الغير ، فحكم بأجرة المثل غرامة ، عوض منفعة مال الغير التي اعترف باستيفائها . ولا حرمة على المالك في قبضها ؛ لعدم تضمّن دعواه ما يقتضي حرمتها عليه ، حتى إذا ادعى كون المسمّى عيناً مخصوصة ؟ فإنّ له أخذها حينئذٍ مقاصّة ، على الوجه الذي ذكرناه . وبه بان أنّ القول الآخر الذي ذكروه قولًا ثالثاً - وهو أنّ القول قول المالك أيضاً ، ولكن يرجع بأقلّ الأمرين من المسمّى وأجرة المثل لا أجرة المثل مطلقاً ، كما في المتن - هو قول المصنّف بعد تنزيل إطلاقه على ما عرفت ، كما أنّ المذكور قولًا رابعاً وهو التحالف ؛ إذ قد يكون المسمّى الذي يدعيه المالك أزيد من أجرة المثل ، فلابدّ في نفيه من يمين الراكب . لا ينبغي أن يكون قولًا ليس كذلك ؛ ضرورة أنّ ذلك راجع إلى المالك ، إن أراده طالبه باليمين المحتمل نكوله عنها ، لا أنّ الحكم له بأجرة المثل موقوف على ذلك ، فإنّ له عدم الدعوى ، وإسقاط حقّ اليمين الذي له ، والمطالبة بأجرة المثل التي هي مقتضى حلفه على نفي العارية ، ويكفي ذلك في إلزام الراكب بها . فليس حينئذٍ في المسألة إلّاقولان ، منشؤهما ثبوت الأصل المزبور وعدمه . والظاهر أنّه مفروغ منه في غير المقام ، كما لا يخفى على من أحاط خبراً بأفراد المسألة في الأبواب المتفرّقة . نعم يحكى عن الشيخ قول ثالث ، وهو استعمال القرعة في تعيين المنكر منهما فيكون القول قوله بيمينه « 2 » . لكنّه كما ترى ، خصوصاً إذا أراد ذلك حتى بالنسبة إلى إثبات المسمّى الذي ادعاه المالك . على أنّ مورد القرعة المشكل ، ولا إشكال بعد القاعدة المزبورة . وأغرب منه ما يحكى عن غيره من الحكم بأجرة المثل بلا يمين من المالك على نفي العارية ، ولا من الراكب على نفي الإجارة . لكن ظنّي أنّه اشتباه من الحاكي ؛ ضرورة انحصار سقوط الدعوى بالبيّنة واليمين .
هامش
( 1 ) السرائر 2 : 431 . المهذب 1 : 474 .
( 2 ) الخلاف 3 : 521 .