ولكن في المتن ( ولو قيل : تسمع دعواه وتقبل بيّنته كان حسناً ) [ 1 ] [ وفيه إشكال ] .
شرح
[ 1 ] لعموم قوله : « البيّنة على المدّعي » ، ولجواز استناده إلى النسيان ، بل عن الفاضل في التذكرة اختياره « 1 » . كما عنه في المختلف : أنّه لا تسمع يمينه ، ولا تقبل بيّنته ، لكن له إحلاف الغريم « 2 » ، وهو نوع من سماع دعواه . فيكون في المسألة أقوال ثلاثة ، إلّاأنّه لا يخفى عليك ما في الأخيرين المنافيين لأصالة عدم النسيان .
وفي المسالك : « أنّ فيها قولًا رابعاً ، وهو أنّه إن أظهر لإنكاره تأويلًا كقوله : ليس لك عندي وديعة يلزمني ردّها أو ضمانها ونحو ذلك ، قبلت دعواه ، وسمعت بيّنته ، وإن لم يظهر له تأويلًا لم يقبل » « 3 » . وعن الشهيد الأول اختياره « 4 » .
ولكن فيه أنّه خروج عن مفروض المسألة بناء على إرادة إبراز دعواه بالعبارة المزبورة ، وإن كان المراد إظهار التأويل بعد أن ذكر العبارة التي ظاهرها إنكار أصل الإيداع لم يسمع ذلك منه ، عملًا بظاهر كلامه . ومن هنا قال في المسالك بعد أن ذكر الأقوال أجمع : « هذا كلّه إذا كان الجحود بإنكار أصل الإيداع ، أمّا لو كانت صورته : لا يلزمني شيء أو لا يلزمني تسليم شيء إليك ، أو مالك عندي وديعة أوليس لك عندي شيء فقامت البيّنة بها فادعى التلف أو الردّ سمعت دعواه وبيّنته ؛ لعدم التناقض بين كلاميه » « 5 » .
ونحوه ما في القواعد قال : « وإن أقيمت عليه البيّنة فادّعى الردّ أو التلف من قبل ، فإن كان صيغة جحوده إنكار أصل الوديعة لم يقبل قوله بغير بيّنة ، ولا معها على الأقوى ؛ لتناقض كلاميه ، وإن كان صيغة الجحود « لا يلزمني شيء » قبل قوله في الردّ والتلف مع البيّنة ، وبدونها في الأخير ، وفي الأوّل على رأي ، ولو أقرّ ربّها له بتلفها قبل الجحود من الحرز فلا ضمان ، وفي سماع بيّنته بذلك إشكال ، نعم تقبل لو شهدت بالإقرار » « 6 » . والظاهر أنّ قوله :
« وفي سماع » تكرار لما ذكره أوّلًا .
وقال في الإرشاد في باب الوكالة : « ولو ادّعى على الوكيل قبض الثمن فجحد فأقام بيّنة على القبض فادّعى تلفاً أو ردّاً قبل الجحود لم يقبل قوله ؛ لخيانته ، ولا بيّنته ، لعدم سماع دعواه . ولو ادّعى بعد الجحود ردّاً سمعت دعواه ، ولا يصدّق لخيانته وتسمع بيّنته ، ولو ادّعى التلف صدّق للبراءة من العين ، ولكنّه خائن فيلزمه الضمان » « 7 » . وهو جيّد جدّاً إلّافي الأخير المبنيّ على تصديق الغاصب في تلف العين ، وقد ذكرنا البحث فيه سابقاً . وعلى كلّ حال فمن التأمّل فيما ذكرناه يظهر لك ما في المسالك فانّه قال : « وحيث قلنا بقبول بيّنته إن شهدت بتلفها قبل الجحود برئ من الضمان ، وإن شهدت بتلفها بعده ضمن لخيانته بالجحود ، ومنع المالك عنها » « 8 » . إذ ظاهره أنّ دعواه التلف بعد الجحود من المسألة السابقة بالنسبة إلى قبول بيّنته وعدمها . ولا يخفى عليك خروجها عن ذلك ؛ إذ لا إشكال في قبولها بالردّ والتلف كما سمعته من الإرشاد بل هو واضح ، واللَّه العالم .
هامش
( 1 ) التذكرة 16 : 207 .
( 2 ) المختلف 6 : 68 .
( 3 ) المسالك 5 : 121 .
( 4 ) نقله في الروضة 4 : 249 ، والمسالك 5 : 121 .
( 5 ) المسالك 5 : 121 .
( 6 ) القواعد 2 : 188 - 189 .
( 7 ) الإرشاد 1 : 420 .
( 8 ) المسالك 5 : 121 .