كما أنّه قد يقال : إنّ إطلاق الأمر بالتأدية يرجع فيه إلى المتعارف في ردّ الودائع ، فلا يجب عليه شدّة الإسراع بركض ونحوه ، وإن اقترحه عليه المالك ، وكذا قطع الأكل والحمّام والنافلة ونحوها . ولعلّه لذا ونحوه يراد الفورية العرفية لا العقلية في نفس التأدية .
وبذلك يظهر لك أنّ الميزان ما ذكرناه ، لا الرجوع إلى صدق الإمكان والعذر بعد أن لم يوجدا عنواناً في شيء من الأدلّة .
وتظهر الثمرة في الضمان وعدمه مع التأخير الجائز له وغير الجائز .
وكيف كان يجب الردّ ( ولو كان ) المودع ( كافراً ) [ 1 ] .
شرح
[ 1 ] لإطلاق الأدلّة ، وخصوص خبر الصيقل « 1 » وغيره من النصوص المستفيضة والمتواترة المأمور فيها بردّ الأمانة على صاحبها ، وإن كان قاتل عليّ أو الحسنين عليهم السلام أو أولاد الأنبياء أو مجوسيّاً أو شاميّاً أو حروريّاً « 2 » ، المعمول بها بين الأصحاب . عدا ما يحكى عن أبي الصلاح من أنّه إذا كان المودع حربيّاً وجب على الودعي أن يحمل ما أودعه إلى سلطان الإسلام « 3 » .
ورماه بعضهم بالشذوذ « 4 » ، لكن ينبغي النظر في مثل الفرض المزبور - بعد معلوميّة جواز تملّك مال الحربي ، وأنّه فيء للمسلمين ، وأنّه كالأموال المباحة وأنّ له التوصّل إليه بكلّ طريق من الربا والسرقة وغيرهما - أنّه لا يجوز للودعي تملّكه في هذا الحال ، فيكون ذلك خارجاً من الرخصة في تملّكه . أو أنّه وإن جاز له ذلك إلّاأنّه يجب عليه ردّه له وإن ملكه ، عملًا بالدليلين معاً ، إلّاأنّه لا يخفى صعوبة الالتزام بكلّ منهما .
بل قد يتأمّل في دلالة أدلّة المقام على مثل ذلك ، وإنّما هي مساقة لبيان وجوب ردّ الوديعة على البرّ والفاجر والمسلم والكافر الذي يمكن تنزيله على محترم المال ، نحو النصوص في المقام أيضاً الدالّة على احترام أموال المخالفين ؛ معلّلة بأنّا معهم في دار هدنة إلى أن يظهر صاحب الأمر عليه السلام « 5 » . فالمراد حينئذٍ وجوب ردّ الوديعة حينئذٍ على كلّ محترم المال في الدنيا للهدنة فيها وإن كان كافراً لا أنّ المراد وجوب ردّها حتى على غير محترم المال من الكافر الحربي ونحوه ممّا جاز تملّك ماله أو ممّن كان للودعي عنده مال غاصب له وأراد المقاصّة من وديعته أو نحو ذلك ممّا تطابقت عليه الأدلّة على جوازه ، ولا أقلّ من التعارض في الأدلّة من وجه . ولا ريب في رجحان أدلّة المقاصّة وأدلّة حلّية مال الكافر الحربي مثلًا ، خصوصاً بعد ظهور التعليل في بعض أدلّة المقام « بأنّا معهم في دار هدنة » في محترمي المال . وبعد إمكان حمل ما هنا على الكراهة من حيث الائتمان ، بخلاف تلك الأدلّة .
بل قد يشكل ردّ المال على الحربي بكونه محكوماً بأنّه فيء للمسلمين ، وملك لهم .
ولعلّه لذا سمعت الرجوع فيه إلى سلطان العدل من أبي الصلاح .
وبالجملة قد ظهر لك من ذلك كلّه أنّه إن لم يكن إجماع على وجوب الردّ حتى على الحربي وحتى على من عليه حقّ المقاصّة وغيرهم ، أمكن المناقشة فيه بما عرفت ، فتأمّل جيّداً ، واللَّه العالم .
هامش
( 1 ) أمالي الصدوق : 204 ، ح 5 . الوسائل 19 : 72 ، ب 2 من الوديعة ، ذيل الحديث 2 .
( 2 ) انظر الوسائل 19 : 71 ، ب 2 من الوديعة .
( 3 ) الكافي : 231 .
( 4 ) الرياض 9 : 163 .
( 5 ) انظر الوسائل 19 : 71 ، ب 2 من الوديعة .