. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
أمّا ما وقع منه من الشراء والبيع فهو بإذن العامل الأوّل الذي لم يشترط عليه مباشرة ذلك بنفسه . أقصى ما هنالك أنّ العامل الثاني أوقعه بعنوان أنّه مقارض ، وقد بانَ فساده ، فاستحق على من غرّه أجرة المثل . وفساد القراض يقتضي فساد الإذن الحاصل من العامل ؛ إذ الظاهر عدم كون ذلك قيداً لها هنا كما في نظائره . ومن ذلك يظهر لك ضعف الثاني ؛ ضرورة عدم استحقاق المالك له مع عدم فساد القراض الأوّل . وصيرورة عمل العامل الثاني للأوّل ولو بغرم الأجرة له . وكذا الثالث ، فإنّ كونه بين العاملين مع فساد القراض غير متصوّر . اللهمّ إلّاأن يدّعى أنّ العامل الأوّل له المضاربة بمعنى التشريك فيما له من الحصّة . فإذا فرض أنّه قد جعل له النصف من المجموع الموزّع عليه وعلى المالك الذي لم يجز مضى فيما له ، وبطل فيما يرجع إلى المالك ، إلّاأنّه لغروره إيّاه يغرم له الأجرة .
ومنه ينقدح وجه الرابع المبني على تنزيل النصف على الراجع له ، لا الموزّع منه ومن المالك . لكن الجميع كما ترى ؛ ضرورة عدم صحّة المضاربة له من دون إذن المالك ، ولو بالتشريك في حصّته ، فوقوع ذلك منه حينئذٍ معاملة غير مشروعة ، هذا .
ولكن في المسالك : « إنّ هذه الأقوال ليست لأصحابنا ، ولا نقلها أحد عن أحد منهم ، وإن كان ظاهر التعبير ب « - قيل وقيل » ذلك ، وإنّما هي وجوه للشافعية ، ذكرها المصنّف والعلّامة في كتبه ، ونقل الشيخ في المبسوط قريباً منها بطريقة أخرى غير منقّحة » « 1 » .
إلى أن قال تبعاً لجامع المقاصد : « والتحقيق في هذه المسألة المرتّب على أصولنا أنّ المالك إن أجاز العقد فالربح بينه وبين الثاني على الشرط ، وإن لم يجزه بطل ، ثمّ الشراء إن كان بالعين وقف على إجازة المالك ، فإن أجاز فالملك له خاصّة ، ولا شيء لهما في الربح ، أمّا الأوّل فلعدم العمل ، وأمّا الثاني فلعدم الإذن له ، ولكن له اجرة مثل عمله على الأوّل مع جهله ، لا مع عمله ، وإن كان الشراء في الذمّة ونوى صاحب المال فكذلك ، وإن نوى عن عامله وقع الشراء له ؛ لأنّه وكيله ، وإن لم ينوِ شيئاً أو نوى نفسه فالعقد له ، وضمان المال عليه ؛ لتعدّيه بمخالفة مقتضى المضاربة ، وحيث لا يقع العقد للعامل الثاني فله الأجرة على الأوّل مع جهله إن لم يتعدّ مقتضى المضاربة » « 2 » . ثمّ إنّهما قبل ذلك قد أطنبا في ذكر حكم الضمان لو تلف المال في يد العامل الثاني وذكرا جملة من أحكام الغصب . ولا يخفى عليك خروج جميع ذلك عمّا نحن فيه ؛ ضرورة كون المراد بيان حكم القراض الثاني فيما إذا ربح المال ، وهو لا يستلزم تسلّم المال ؛ إذ يمكن قراضه وعمله والمال في يد العامل الأوّل . كما أنّه لا يخفى عليك بعد الإحاطة بما ذكرناه عدم الفضولية فيما أوقعه العامل الثاني بإذن الأوّل وإن لم يجز قراضه ، بناءً على أنّ للعامل الأوّل الإذن لغيره في العمل ، وأنّ فساد قراضه لا ينافي ثبوت الإذن له في ذلك .
كما في غير هذه الصورة ممّا فسد فيه القراض فإنّه يثبت للعامل أجرة المثل ، والمال ونماؤه للمالك ، وليس هو إلّالبقاء الإذن مع فساد القراض ، وما نحن فيه من ذلك . ومن الغريب دعوى خروج هذه الوجوه عن أصولنا مع تصريح المصنّف بحسن الأوّل منها .
بل مفروغيّته من صحّة البيع وملك المالك النصف ، وعدم ذكر الفضولية هنا في شيء ممّا فعله العامل الثاني ، ونحو ذلك ممّا هو كالصريح في أنّ موضوع المسألة عنده غير ما ذكراه ، وإن اعترضاه هما بنحو ما سمعته منهما هنا . لكن الإنصاف عدم وروده عليه ، وعدم مدخليّة لكثير ممّا ذكراه هنا في مفروض المسألة ، كما لا يخفى على من لاحظ المقام وتأمّل ، واللَّه العالم .
هامش
( 1 ) المسالك 4 : 387 - 388 .
( 2 ) المسالك 4 : 388 . جامع المقاصد 8 : 63 .