قلت : قد يقال : إنّ المعتبر عدم الضرر حتى في الصورة النادرة [ 1 ] . [ وهو لا يخلو من قوّة ] .
هذا كلّه في تضرّر المارّة ، أمّا تضرّر غيرهم كالجار بالإشراف عليه ونحوه [ 2 ] [ ففيه إشكال ] .
شرح
[ 1 ] لأنّه المتيقّن من الجواز فيما هو حقّ المسلمين كافّة ، وإليه أومأ فيما سمعته من التذكرة « 1 » ، فيعتبر حينئذٍ في الطريق كونه على الوجه المزبور وإن لم يعتدّ فيه ازدحام الفرسان والإبل والكنائس ، إلّاأنّه ربّما اتفق ذلك ، خصوصاً بناءً على أنّ الأصل المنع لتعلّق حقّ المسلمين بإحيائهم . والمعلوم جوازه من السيرة ذلك لا غيره . نعم لو قلنا : إنّ الأصل الجواز ؛ لكونه من مباح الأصل ، فيقتصر على المتيقّن في المنع اتّجه حينئذٍ ما ذكروه ، إلّاأنّ الأوّل لا يخلو من قوّة .
[ 2 ] ففي المسالك وغيره لا عبرة به كما لو وضعه في ملكه واستلزم الإشراف عليه فإنّ المحرّم التطلّع عليه لا البناء المشرف عليه « 2 » .
خلافاً للتذكرة حيث ألحق الأوّل بتضرّر المارّة . وفرّق بينه وبين وضعه في ملكه ، بأنّ الروشن في الطريق مشروط بعدم التضرّر ؛ لأنّ الهواء ليس ملكه ، بخلاف الموضوع في ملكه ؛ لأنّ للإنسان التصرّف في ملكه كيف شاء ، وإن استلزم الإشراف على الجار أو الظلمة عليه ، وإنّما يمنع من الإشراف لا من التعلية المفضية إلى ذلك . إلى أن قال :
« ولست أعرف في هذه المسألة بالخصوص نصّاً من الخاصّة ولا من العامّة ، وإنّما صرت إلى ما قلت عن اجتهاد » « 3 » .
وردّه بعضهم « 4 » بأنّ المعتبر عدم الإضرار بأهل الطريق من حيث الاستطراق الموضوع له الطريق ، أمّا غير ذلك فلا دليل على المنع منه . بل قد عرفت أنّه لا عبرة بضرر غير المعتاد سلوكه فضلًا عن غير المارّ . فهو حينئذٍ كمن أحدث بناءً في مباح استلزم الإشراف عليه . وتقييد العلّامة وغيره الضرر بالمارّة دليل على ذلك ، وإنّما عمّم هو الضرر في هذا الفرع خاصة .
قلت : يمكن أن يكون بناء العلّامة ما ذكرناه من أنّ المسلمين بإحيائهم الطريق صار هو وقراره وهواؤه ملكاً لهم أجمع ، أو كالملك . فلا يجوز لأحد منهم التصرّف فيه بغير إذنهم ، أو إذن وليّهم ، إلّاأنّ السيرة جرت على فعل ذلك .
والمتيقّن منها الخالي عن ضررهم من جهة الاستطراق وغيره ، أمّا الخالي عن ضرر الاستطراق خاصّة دون غيره فلا سيرة عليه ، فيبقى على أصل المنع . اللهمّ إلّاأن يدّعى كونها كذلك أيضاً ، لكنّه كما ترى . أو يدّعى أنّ الأصل بالعكس كما أشرنا إليه سابقاً ، ولو لفقد نحو « الناس مسلّطون على أموالهم » « 5 » في المقام ، الباقي على اشتراك الناس فيه الذي يختص السابق به منهم مع عدم تضرّر الآخر ؛ لقاعدة « لا ضرر ولا ضرار » « 6 » . لكن في دعائم الإسلام : وعنه صلوات اللَّه وسلامه عليه أنّه سئل عن الرجل يطيل بناءه فمنع جاره الشمس ، قال : « ذلك له ، وليس هذا من الضرر الذي يمنع منه ويرفع جداره ما أحب إذا لم يكن نظر منه إليهم » « 7 » .
وفيها أيضاً : وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال : « ليس لأحد أن يفتح كُوَّة في جداره ينظر منها إلى شيء من داخل دار جاره ، فإن فتح للضياء في موضع يرى منه لم يمنع [ من ] ذلك » « 8 » .
هامش
( 1 ) التذكرة 16 : 43 .
( 2 ) المسالك 4 : 275 - 276 .
( 3 ) التذكرة 16 : 45 .
( 4 ) المسالك 4 : 276 .
( 5 ) البحار 2 : 272 ، ح 7 .
( 6 ) الوسائل 18 : 32 ، ب 17 من الخيار ، ح 3 - 5 .
( 7 ) دعائم الإسلام 2 : 505 ، ح 1809 ، مع اختلاف .
( 8 ) المصدر السابق : ح 1808 ، وفيه : « لا يرى » بدل « يرى » ، و « لا منع » بدل « لم يمنع » .