. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
26 / 232
ولا يخفى عليك ما فيه من وجوه النظر ، بل لا يكاد يتصوّر له وجه صحّة ، حتى ما حكاه عن الشافعي ، فإنّ المنقول عنه في التذكرة مثالًا لذلك هو أن يكون في يده دار فيقرّ له بها فيصالحه على سكناها شهراً « 1 » ، فإنّه - سواء أراد سكنى من في يده المقر بها للغير ، أو سكنى المدّعي الذي فرض إقراره بها لمن هي في يده - غير ما سمعته عنه عند التأمّل ، والأمر في ذلك سهل بعد وضوح الحال . إنّما الكلام في صحّة هذا الصلح بسبب عدم اشتماله على العوض .
وكذا الصلح القائم مقام الهبة ، كما لو قال : صالحتك عن هذه الدار ، فيقول الآخر : قبلت ، نحو قوله في القائم مقام العارية :
صالحتك عن منفعة هذه الدار سنة مثلًا ، فيقول الآخر : قبلت ، فيصحّ صلحاً لازماً وهكذا ، فإنّ ما سمعته من الدروس صريح في التردد فيه ، بل صرّح الفاضل « 2 » في غير واحد من كتبه بأنّ من أركانه المصالح عنه ، والمصالح به ، بل في موضع من التذكرة أنّه معاوضة إجماعاً « 3 » ، بل أرسله الكركي « 4 » وغيره إرسال المسلّمات .
فإن قيل : عليه ، إنّ الصلح إذا وقع موقع الإبراء - كما لو صالحه من الحق على بعضه - فإنّه صحيح ؛ لعموم شرعية الصلح « 5 » وليس فيه عوضاً .
قلنا : يكفي في المغايرة الجزئية والكلّية ، بل ربّما كان في قوله تعالى :لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ« 6 » إشعار به ، بناءً على إرادة المعاوضة من « التجارة » . وإن كان فيه ما فيه .
كما أنّ في الاكتفاء بالجزئية والكلية في تحقق المعاوضة ما لا يخفى ، وإلّا لكفت في غير الصلح من عقودها ، على أنّه لا يتمّ في القائم مقام العارية كما في نحو المقام ، بل منه يعلم ما في دعوى كونه من عقود المعاوضة .
مضافاً إلى خلوّ نصوص المقام عن اعتبار ذلك فيه ، بل ربّما ظهر منها خلافه ، كما لا يخفى على من لاحظها .
بل قد يدّعى كون المستفاد منها أن كلّ ما يتفقان عليه ويصطلحان عليه ممّا لم يكن فيه تحليل حرام أو بالعكس كان من الصلح الجائز ، وجرت عليه أحكام عقد الصلح من اللزوم وغيره .
وإن كان مقتضى ذلك عدم اختصاص ما يقوم الصلح مقامه بخمسة ، البيع ، والإجارة والهبة ، والعارية ، والإبراء .
كما هو ظاهر جماعة ، بل صريح الكركي في حاشية الكتاب « 7 » ؛ ضرورة كون المتّجه حينئذٍ قيام الصلح مقام المضاربة وغيرها ، وفائدته اللزوم وغيره من أحكام الصلح .
إلّاأنّي لم أرَ مصرّحاً به ، كما أنّي لم أرَ تحريراً لهذه المسألة في كلامهم ، بل ولا أنّ المراد بالمعاوضة فيه الصورية لا الحقيقية ، بمعنى أنّه عند تأليف عقده لابدّ فيه من صورة مصالح عنه ومصالح به .
وعلى تقديره فليس في الأدلّة ما يقوم بذلك .
هامش
( 1 ) التذكرة 16 : 7 .
( 2 ) التذكرة 16 : 17 . انظر القواعد 2 : 172 .
( 3 ) التذكرة 16 : 8 .
( 4 ) انظر جامع المقاصد 5 : 411 .
( 5 ) النساء : 35 ، 114 ، 128 . الأنفال : 1 . الحجرات : 9 ، 10 ، وانظر الوسائل 18 : 443 ، ب 3 من الصلح .
( 6 ) ( 6 ) النساء : 29 .
( 7 ) لم نعثر عليه .