وعلى كلّ حال ف [ - المختار ] [ 1 ] عدم كونهما بلوغاً بأنفسهما ، ( بل قد يكونان دليلًا على سبق البلوغ ) في مثل المجهول حالها ، بأن يكون الحيض منها كاشفاً عن حصول العدد لها [ 2 ] .
نعم يعتبر معلومية كونه حيضاً من الصفة أو غيرها [ 3 ] .
شرح
[ 1 ] [ كما ] قد بان لك مما ذكرنا [ ذلك ] .
[ 2 ] فلا يرد [ الإشكال ب ] - أنّ الدم الذي تراه قبل التسع ليس بحيض ، وبعدها يكون بلوغها بالسن ، فلا أثر للحيض في الدلالة ؛ إذ الجواب ما أومأنا إليه من ظهور القاعدة في مجهولة السن ، فإنّ بلوغها يعرف بالحيض ؛ لدلالته على السن الدالّ عليه ، لابالسن لفرض جهالته .
[ 3 ] ولا يكفي هنا ما اشتهر بين الفقهاء من قاعدة الإمكان ؛ إذ هو مشروط ببلوغ التسع كما صرّحوا به ، والفرض في المقام الاشتباه . ومن هنا قال في التذكرة : « لو اشتبه الخارج أنّه حيض أم لا لم يحكم بالبلوغ ، ولا يحكم إلّامع اليقين عملًا بالاستصحاب » « 1 » . وهو كذلك ومعه يسقط اعتبار الصفة ، فإنّها إنّما تعتبر في صورة الشك . وأمّا دلالة الحمل على السبق فباعتبار قضاء العادة بتقدم الحيض ، وباعتبار كونه مسبوقاً بالإنزال الذي قد عرفت سببيّته للبلوغ ؛ لأنّ تكوّن الولد إنّما يكون من اختلاط مجموع الماءين ، وهو المراد من « الأمشاج » في الآية « 2 » الكريمة على ما هو المشهور بين المفسّرين ، كإرادة صلب الرجل وترائب المرأة من قوله تعالى :« يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ »« 3 » لا صلب الرجل وترائبه ، ولا أنّ المراد ب « الأمشاج » الأخلاط من الطبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، ولا الأطوار والشؤون ، ولا الاختلاط من مني الرجل وحيض المرأة ، مع أنّه على الأخير يتمّ المطلوب أيضاً . وما ذكرناه في الآيتين هو المروي عن ابن عباس « 4 » ، بل هو موافق للنصوص الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام ، على أنّ خلق الولد من الماءين ، وأنّ ماء الرجل أبيض غليظ ، وماء المرأة أصفر رقيق ، وأنّ العظم والعصب والعروق من نطفة الرجل ، والشعر والجلد واللحم من نطفة المرأة ، وأنّ الذكورة والأنوثة والشبه بالأعمام والأخوال من تسابق الماءين ، وعلوّ أحدهما على سابقه « 5 » . روى ذلك الصدوق والراوندي والطبرسي في المحكي عن العلل « 6 » والقصص « 7 » والمجمع « 8 » والاحتجاج « 9 » . وما عن الحكماء والأطبّاء من الاختلاف في مني المرأة ، فعن أرسطو « 10 » وأتباعه أنّه لا مني لها ، وإنّما ينفصل عنها رطوبة شبيهة بالمني إذا امتزج بها مني الرجل تولّد منها مادة الجنين ، وذلك لوجود القوّة العاقدة في مني الرجل والمنعقدة في رطوبة المرأة . وعن جالينوس « 11 » وأكثر الأطبّاء أن للمرأة منيّاً كالرجل ، وفي كلّ منهما قوّة عاقدة ومنعقدة ، لكن مني الذكر أشدّ وأقوى في الفعل والتأثير من مني الأنثى . وعن الحكماء أنّ مبدأ التصوير في مني الرجل ، ومبدأ التأثير والتصوّر في مني المرأة ، وإنّما المني إنّما يقال عليهما بمحض اشتراك الاسم ، وإلّا فمني الرجل حار نضيج ثخين ، ومني المرأة جنس من دم الطمث ، وإنّما حصل به استحالة يسيرة ، لا يبعد به عن الدم بعد مني الرجل منه ، ولذا يسمّونه طمثاً لا منيّاً . وعن بعض « 12 » المحقّقين أنّ المني عند الحكماء ، وهو الماء الجامع لبياض اللون ورائحة الطلع ، والدفق واللذة والقوّه العاقدة غير قادح في شيء ممّا ذكرنا ؛ ضرورة كون النزاع بين الفريقين لفظياً ، وأنّ الاتفاق منهما واقع على أنّ تكوّن الولد من مجموع الماءين ، والعبرة في التسمية بالعرف واللغة ، ورطوبة المرأة تسمّى منيّاً فيهما ، وخروجها عنه باصطلاح الحكماء لا يقدح في ثبوت الحكم الشرعي المنوط بغيره ، كما هو واضح .
هامش
( 1 و 2 و 3 ) التذكرة 14 : 199 . الإنسان : 2 . الطارق : 7 .
( 4 ) تفسير التبيان 10 : 206 ، 324 - 325 . الاحتجاج 1 : 90 - 91 .
( 5 ) مصابيح الأحكام : الورقة 44 ( مخطوط ) .
( 6 ) علل الشرائع 1 : 94 - 98 ، ح 1 - 6 .
( 7 و 8 ) قصص الأنبياء : 296 ، ح 369 . مجمع البيان 5 : 406 .
( 9 ) تفسير التبيان 10 : 206 ، 324 - 325 . الاحتجاج 1 : 90 - 91 .
( 10 ) نقله في القانون ( لابن سيناء ) 2 : 727 .
( 11 و 12 ) مصابيح الأحكام : الورقة 44 ( مخطوط ) .