. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
نعم قد اعتبر في الروضة غلبة وجوده في البلد الذي اشترط تسليمه فيه ، أو بلد العقد حيث يطلق ، بناءً على انصرافه إليه عند الإطلاق أو فيما قاربهما بحيث ينقل إليهما عادة ، فلا يكفي الوجود فيما لا يعتاد نقله في غرض المعاملة ، بل ينقل هدية ، ونحو ذلك .
ثمّ ذكر : « أنّه لو عيّن غلّة بلد لم يكف وجوده في غيره وإن اعتيد نقله إليه ، ولو انعكس بأن عيّن غلّة غيره مع لزوم التسليم شارطاً نقله إليه فالوجه الصحة ، وإن كان يبطل مع الإطلاق ، والفرق أنّ بلد التسليم حينئذٍ بمنزلة شرط آخر ، والمعتبر هو بلد المسلم فيه » « 1 » .
وكأنّه أخذ ذلك ممّا في الدروس قال : « ولا يكفي وجوده - أي المسلم فيه - في بلد لا يعتاد نقله إليه إلا نادراً كالهدية ، ولو عيّن بلداً لم يكف وجوده في غيره وإن اعتيد نقله » إلى أن قال : « لو شرط نقل الفاكهة من بلد بعيدة إلى بلده قبل وجودها في بلده صحّ وإن كان يبطل مع الإطلاق ، ولا يجب عليه السعي فيها ، والفرق بينه وبين البواكير أنّها مقصودة عند العقد ، بخلاف تغاير البلدين ، ولو فرض قصد ذلك البلد صح » « 2 » .
وعلى كلّ حال فقد يتوهّم منه أمر زائد على القدرة على التسليم المشترطة في البيع ؛ ضرورة أنّ المدار فيها على صدقها من غير مدخلية لبلد التسليم وغيره ، فيجب عليه حينئذٍ نقله إليه إن لم يكن فيه مقدّمة لتسليمه فيه ، لا أنّ الوجود فيه مقدّمة لوجوب دفعه .
لكن قد عرفت فيما مضى احتمال إرادته مالاينافي ما ذكرناه .
مع أنّه قد يؤيّده ما في التذكرة ، قال : « يجوز أن يسلم في شيء ببلد لا يوجد ذلك الشيء فيه ، بل ينقل إليه من بلد آخر لإمكان التسليم وقت الأجل وكان سائغاً كغيره ، ولا فرق بين أن يكون بعيداً أو قريباً ، ولا أن يكون ممّا يعتاد نقله إليه أو لا ، ولا يعتبر مسافة القصر هنا ، وهو قول بعض الشافعية ، وقال بعضهم : إن كان قريباً صحّ ، وإن كان بعيداً لم يصحّ ، وقال آخرون : إن كان ممّا يعتاد نقله إليه في غرض المعاملة لافي معرض التحف والهدايا والمصادرات صحّ السلم ، وإلّا فلا ، أمّا لو أسلم في شيء يوجد غالباً في ذلك البلد وقت الحلول فاتّفق انقطاعه فيه وأمكن وجوده في غيره من البلاد فهل يجب على البائع نقله ؟ الأقرب ذلك مع انتفاء المشقّة وعدم البعد المفرط ، ولا عبرة بمسافة القصر ولا إمكان الرجوع من يومه » « 3 » .
إلّاأنّه لا يخفى منافاته لأوّل فروع الروضة [ وهو غلبة وجوده في البلد الذي اشترط تسليمه فيه ] ، إلّامع التأويل .
وفي التنقيح : « لو كان يوجد في بلد آخر لم يجب نقله لا مع المشقّة ولا مع عدمها إذا كان قد عيّن البلد ، وإلّا وجب » « 4 » .
فتأمّل جيّداً ، فإنّ المسألة من المشكلات .
وكأنّ منشأ الوهم فيها تلك العبارة التي وقعت للردّ على أبي حنيفة في السلف في المعدومات « 5 » .
هامش
( 1 ) الروضة 3 : 416 .
( 2 ) الدروس 3 : 256 - 257 .
( 3 ) التذكرة 11 : 319 - 320 .
( 4 ) التنقيح 2 : 148 .
( 5 ) المبسوط ( للسرخسي ) 12 : 136 .