. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
العقد لايعتاد النقل منها إليه ، مع أنّك قد سمعت ما في الدروس من الصحّة مع قصد البلد « 1 » ، بل الظاهر الصحّة ولو شرط التسليم في بلد العقد ، وعدم عموم وجوده فيه غير قادح بعد أن كان عاماً في بلده ، فينقله حينئذٍ منها مقدمة للتسليم . ولو صرّح باشتراط النقل كان أوضح في الصحة . نعم يتجه البطلان فيما لو أسلم في غلّة لا توجد إلّافي بلد بعيدة لا يعتاد النقل منها ، على أن يكون المراد هذه الغلة في هذا البلد :
1 - ضرورة عدم القدرة على التسليم ، ولا يكفي وجودها في تلك البلاد .
2 - ولانصراف عقد السلم عرفاً في غلّة بلد العقد وماقاربها ممّا يتعارف النقل منها ، لا مثل ذلك ، ولذا لا يكلّف النقل من أمثال ذلك في الآفة مع المشقّة والبعد المفرط . ومن ذلك كلّه يظهر لك ما تسمعه من الروضة « 2 » ، بل إنّما كان شبه التدافع بين أوّل كلامه وذيله ، إلّاأن يريد بالبلد التي اشترط التسليم فيها ما كانت من بلاد المسلم فيه ، فيتفق حينئذٍ كلاماه ، بل لعلّه بذلك يرجع إلى ما ذكرناه كغيره من كلام الأصحاب ، وستسمع عبارة التذكرة وغيرها في آخر البحث ، فتأمّل جيداً . ومن ذلك كلّه يظهر لك أنّ ما ذكروه سابقاً من أنّه لا يجوز الاستقصاء في الوصف المؤدّي إلى عزّة الوجود مرجعه إلى ذلك عند التأمّل . وإن علّلوه : بأنّ عقد السلف مبني على الغرر ؛ لأنّه بيع ما ليس بمرئي ، فإن كان عزيز الوجود كان مع الغرر مؤدّياً إلى التنازع والفسخ فكان منافياً للمطلوب من السلف ، مع أنّه يمكن إرجاعه إلى ما قلناه .
وفي المحكي عن الايضاح تعليله بأنّه « لمّا جلّ جناب الحقّ جلّ شأنه عن التكليف بما لا يطاق ، واقتضت حكمته البالغة عدم خرق العادات غالباً بمجرّد ما يرد على العبد من تناقض الإرادات أبطل السلم فيما يؤدّي إلى أحدهما قطعاً ، وما تجدّد أداؤه تجدّد بطلانه » قال : « فظهر من ذلك أنّ ما يعزّ وجوده لا يصح السلم فيه وبقي مالا يعزّ ، لكن وجوده أقل في الأغلب لاستقصاء الصفات ، والأقرب فيه الصحة ؛ لعدم استلزامه المحال ، مع إمكانه في نفسه وجواز ثبوته في الذمة ؛ لوجود المقتضي وهو عقد البيع ، وانتفاء المانع وهو عزّة الوجود ، ثمّ احتمل بطلانه » « 3 » .
قلت : لا ريب في ضعف الاحتمال إذا كانت القلّة بحيث لا تعدّ المعاملة معها سفهاً .
ومنه يعلم ما في القواعد من أنّ « الأقرب جواز اشتراط مالايعزّ وجوده وإن كان استقصاءً كالسمن والجعودة » « 4 » إن كان مراده البطلان بغير الأقرب ، ومن هنا قيل : إنّ غير الأقرب : الوجوب « 5 » . وإن كان فيه أنّه مساو للأوّل في الضعف أو أضعف إذا فرض عدم توقّف المعلومية عليه ، كما هو واضح .
وكيف كان فالظاهر أنّ مرجع المنع في عزّة الوجود إلى فقد هذا الشرط معها ، لا أنّه أمر آخر زائد على ذلك ؛ لعدم الدليل إلّا الإجماع المحكي الظاهر في أنّه هو الإجماع الذي حكي على هذا الشرط ، وقد عرفت أنّ مرجعه إلى القدرة على التسليم التي لايطمأن بها إلّافي معتاد الوجود ، بل لا تخرج المعاملة عن كونها سفهية إلّابنحو ذلك .
هامش
( 1 ) لم يتقدم ، يأتي في الصفحة الآتية .
( 2 ) الروضة 3 : 415 .
( 3 ) الايضاح 1 : 460 .
( 4 ) القواعد 2 : 46 .
( 5 ) جامع المقاصد 4 : 217 .