والمسألة محتاجة إلى التأمّل التامّ ، وربّما يأتي لها مزيد تحقيق إن شاء اللَّه تعالى .
ولو كان إقراره لمعيّن فأنكره وجب عليه إيصال نفسه إليه ، بإدخاله في ماله سرّاً وبنحو الهديّة وغير ذلك [ 1 ] . ولو علم الحاكم بالحال [ 2 ] [ فقد يدعى أنّ للحاكم إجراء الحكم ظاهراً ، وإن كان للمقرّ إمضاء ما هو مكلف فيه ، فيأخذه ويجري عليه حكم مجهول المالك ] . ولو رجع المقرّ له إلى التصديق قوّى قبوله إن لم يسنده إلى مالك آخر [ 3 ] . مع احتمال العدم [ 4 ] .
ولو رجع المقرّ بعد إنكار المقرّ له إلى دعوى الحرية أمكن قبولها أيضاً [ 5 ] .
ومثله لو أقرّ بالرقية لغير معيّن ثمّ ادّعى الحريّة مع احتمال طلب الحاكم اليمين منه ، بل قد يحتمل عدم قبوله مطلقاً [ 6 ] . وكذا البحث في المال المقرّ به لشخص معيّن فأنكره ، ثمّ ادّعاه المقرّ أو أقرّ به لشخص ما ثمّ ادّعاه [ 7 ] .
مع عدم احتمال تجدّد الملك وقد أشبعنا الكلام في المسألة في كتاب الإقرار ، فلاحظ .
ولو رجع المقرّ له إلى التصديق بعد رجوع المقرّ إلى دعوى الحريّة أو إلى دعوى المملوكيّة لشخص آخر قد صدّقه لم يؤثّر رجوعه ، كما لم يؤثّر رجوع المقرّ بعد رجوع المقرّ له إلى التصديق للإقرار المفروض استمراره إليه .
شرح
[ 1 ] لأنّ الإقرار حجّة وافقه المقرّ له أو لا على أصحّ القولين والوجهين ، عملًا بعموم ما دلّ على صحّته الشامل للصورتين . ودعوى اعتبار الموافقة في مفهومه أو في حجيّته ، واضحة المنع .
[ 2 ] ففي شرح الأستاذ : « أخذه قهراً مع تجويز صدقهما وأجرى عليه حكم مجهول المالك كما كان الإقرار بمبهم وامتنع عن التصريح » « 1 » .
ولعلّه لما عرفت من حجيّة الإقرار ، فهو به حينئذٍ صار مالًا ، وقد امتنع عن المقرّ له شرعاً بانكاره ، فيبقى بلا مالك ظاهراً ، فيجري عليه حكم مجهول المالك . ومثله المال المقرّ به لشخص فأنكره . وفيه : مناقشة بعد علم المقرّ بالمالك وكان تكليفه الدسّ ونحوه . اللهمّ إلّاأن يدّعى أنّ للحاكم إجراء الحكم ظاهراً ، وإن كان للمقرّ إمضاء ما هو مكلّف فيه .
وقد ذكر المصنّف في باب الإقرار في نحو ذلك : أنّ للحاكم الانتزاع من يد المقرّ وله الابقاء « 2 » ، فلاحظ وتأمّل .
[ 3 ] لعدم المعارض ، وإنكاره السابق غير صالح لمعارضة ما دلّ على قبول دعوى المسلم التي لا معارض لها .
[ 4 ] لأنّ إنكاره يؤول إلى إقرار في حقّه فلا يسمع ، وفرق واضح بين المقام ، وبين إنكار كون المال الذي في يده مثلًا لزيد ، ثمّ الإقرار به الذي لا إشكال في سماع الإقرار به حينئذٍ ، فتأمّل .
[ 5 ] كما صرّح به بعضهم « 3 » ؛ لعدم المعارض ، والإقرار السابق إنّما يفيد التزامه به بالنسبة إلى المقرّ له .
[ 6 ] لأنّه قد صار مالًا ينبغي للحاكم إيصاله إلى صاحبه ولو بالصدقة ، لكن ضعفه واضح .
[ 7 ] ولعلّ وجه قبول دعواه فيه أنّ إقراره إنّما هو رفع حكم يده الظاهرة في الملك عنه ، فيبقى هو حينئذٍ كغيره ممّا إذا ادّعى حكم بكونه له ؛ لعدم المعارض ، لا أنّ الإقرار أخرجه عن صلاحيّة الدخول ولو بالدعوى المستأنفة . وإن كان هو كما ترى .
هامش
( 1 ) شرح القواعد : 121 ( مخطوط ) .
( 2 ) الشرائع 3 : 147 .
( 3 ) الحدائق 19 : 388 .