. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
فخذ رأس مالك ودع ما سواه ، وإن كان المال مختلطاً فكله هنيئاً مريئاً ، فإنّ المال مالك ، واجتنب ما كان يصنع صاحبك ، فإنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قد وضع ما مضى من الربا ، فمن جهله وسعه أكله ، فإذا عرفه حرم أكله ، فإن أكله بعد المعرفة وجب عليه ما وجب على آكل الربا » « 1 » .
لكن لا يخفى عليك أنّ ما في جملة من هذه النصوص لا يطابق القول بالعفو مع الجهل مطلقاً .
نعم ظاهرها منطبق على المحكي عن ابن الجنيد ، « قال : من اشتبه عليه الربا لم يكن له أن يقدم عليه إلّابعد اليقين بأنّ ما يدخل فيه حلال فإن قلّد فيه غيره أو استدلّ فأخطأ ثمّ تبيّن له أن ذلك ربا لا تحلّ له ، فإن كان معروفاً ردّه على صاحبه وتاب إلى اللَّه ، وإن اختلط بماله حتى لا يعرفه أو ورث مالًا يعلم أنّ صاحبه كان يربي ، ولا يعلم الربا بعينه فيعزله ، جاز له أكله والتصرّف فيه إذا لم يعلم فيه الربا » « 2 » .
اللهمّ إلّاأن يدّعي ظهور صحيح الحلبي « 3 » منها المشتمل على تعليل حلّ أكل الربا المختلط : بوضع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ما مضى منه في أنّ المراد ب « - ما مضى » نفس الربا في حالة الجهل مطلقاً . ومنه حينئذٍ يظهر صحّة تفسير الآية بما عرفت ، كما هو أيضاً ظاهرها . وبالجملة فيحمل الأمر بالردّ حينئذٍ مع التميّز والعزل لذلك على الاستحباب .
وأمّا الجمع - بحمل الأمر على ظاهره وتقييد الأدلّة المتقدمة الدالّة على إطلاق الإباحة بصورة الخلط - فيدفعه عدم التكافؤ بسبب الكثرة ، والاعتضاد بفتوى من عرفت ، مضافاً إلى ظهور سياق المعتبرة في عموم الإباحة حتى لصورة التمييز والمعرفة ، فلا ريب حينئذٍ في أولوية صرف الأمر عن ظاهره إلى الاستحباب من ذلك ، هذا .
ولكن لا يخفى أنّه لا يصلح للفقيه الجرأة بمثل هذه النصوص ، التي لا يخفى عليك اضطرابها في الجملة . وترك الاستفصال فيها عن الربا أنّ صاحبه كان جاهلًا بحرمته أو عالماً والأمر فيها بالتوبة مع عدم الذنب حال الجهل الذي يعذر فيه بل قد اشترط في الآية الحلّ بها وحمله على الجهل الذي لا يعذر فيه ، ينافيه ما في خبر الباقر عليه السلام السابق « 4 » من إلحاق مثله بالعالم ، وترك الاستفصال فيها عن الربا في القرض والبيع ، وقد عرفت الفرق بينهما وغير ذلك على مخالفته الضوابط السابقة والإقدام على حلّ الربا ، الذي قد ورد فيه من التشديد ما ورد . وقد نزّه ابن إدريس حمل كلام الشيخ على ذلك فضلًا عن النصوص ، فإنّه بعد أن حكى عن الشيخ في النهاية قوله : « فمن ارتكب الربا بجهالة ولم يعلم أنّ ذلك محظور فليستغفر اللَّه ، وليس عليه فيما مضى شيء ، ومتى علم أنّ ذلك حرام ثمّ استعمله فكلّ ما يحصل له من ذلك محرّم عليه ، ويجب ردّه على صاحبه ، قال : « المراد بذلك ليس عليه شيء من العقاب بعد استغفاره ، لا أنّ المراد بذا أنّه ليس عليه شيء من ردّ المال الحرام ، بل يجب عليه ردّه إلى صاحبه بقوله تعالى :( وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ )« 5 » . فأمّا قوله :( فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ )« 6 » إلى آخره فالمراد - واللَّه أعلم - فله ما سلف من الوزر وغفران الذنب وحقّ القديم سبحانه بعد انتهائه وتوبته ؛ لأنّ إسقاط الذنب عند التوبة تفضّل عندنا ، بخلاف ما يذهب إليه
هامش
( 1 ) الكافي 5 : 146 ، ح 9 . أورد صدره في الوسائل 18 : 130 ، ب 5 من الربا ، ح 4 .
( 2 ) نقله في المختلف 5 : 78 .
( 3 ) تقدّم في ص 339 .
( 4 ) الوسائل 18 : 130 - 131 ، ب 5 من الربا ، ح 7 .
( 5 ) البقرة : 279 .
( 6 ) البقرة : 275 .