وأمّا ( إن اختلفت « 1 » البلدان فيه ) على وجه لم يعلم عادة عصره عليه السلام ف [ - المختار ] [ 1 ] أنّه ( كان لكلّ بلد حكم نفسه ) [ 2 ] . ويجب تقييده أيضاً بما إذا لم يعلم سبق الاختلاف بالاتفاق ، فإنّ المتجه حينئذٍ عدم الربا وإن لم يعلم أنّ الاتفاق كان على عدم التقدير [ 3 ] . أمّا إذا لم يعلم فقد يتجه ذلك [ 4 ] . فيجري حينئذٍ حكم الربا في بلاد التقدير وإن زال ، ولا يجري في بلاد الجزاف وإن قدّر ، بناءً على أنّ ذلك كذلك في المعلوم حاله في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم [ 5 ] .
شرح
[ 1 ] [ كما هو ] المشهور بين المتأخّرين ، بل لعلّ عليه عامتهم .
[ 2 ] وهو المحكي عن المبسوط والقاضي « 2 » ؛ معلّلين له بالأصل في الجملة ، وأنّ المعتبر العرف والعادة عند عدم الشرع ، وكما أنّ عرف تلك البلد التقدير فيلزمه حكمه [ و ] عرف الآخر الجزاف مثلًا فيلزمه حكمه ، صرفاً للخطاب إلى المتعارف من الجانبين ، وردّاً للناس إلى عوائدهم ، كما في القبض والحرز والإحياء ، وإلّا لزم الخطاب بما لا يفهم ، فيكون قد قام العرف الخاص مقام العام عند انتفائه ، وهو مخالف لما سمعته من خبر علي بن إبراهيم « 3 » .
[ 3 ] ضرورة الاكتفاء في نفي الحرمة باحتمال عدم التقدير ؛ للأصل وغيره .
[ 4 ] لكن لا لما ذكروه ، بل لاستصحاب هذا الحال إلى زمن الخطاب فينساق الذهن حينئذٍ إلى أنّ لكلّ بلد حكم نفسه ؛ إذ هو صادق عليه اسم التقدير وعدمه ، والأوّل علّة للربا ، كما أنّ الثاني علّة لعدمه ، فإعمالهما معاً بعد عدم الترجيح بينهما يقضي بذلك .
وليس ذا من تنزيل اللفظ على العرف الخاص المتعدد الذي هو واضح البطلان ، كما حرّر في الأصول ؛ ضرورة أنّ الاختلاف بين البلدين مثلًا بالتقدير وعدمه لا في معنى لفظ وبينهما بون . كما أنّ الحكم المزبور لا ينافي ما تقدّم سابقاً من الاكتفاء في جريان حكم الربا سبق التقدير وإن زال القاضي بعدم دوران الحكم مدار الوصف ، وإلّا لانتفى بانتفائه ؛ إذ هو هنا أيضاً كذلك ، فإنّه وإن أعطينا كلّ بلد حكمه لكن ليس لدوران الحكم على الوصف وجوداً وعدماً ، بل لدورانه على أصل ثبوت الوصف ، كما في سابق التقدير .
[ 5 ] نعم قد يشكل ذلك بأنّ المختلف في بلدين مثلًا لا يدخل تحت إطلاق أحد الخطابين ، لا أنّه مصداق لكلّ منهما ، فقضيّة الأصل عدم حرمة الربا . وربّما يؤيّده خبر علي بن إبراهيم « 4 » السابق ، إلّاأنّي لم أجد قائلًا به هنا ، بل ولامن احتمله ، وبمنع مثل ذلك في الشرع ؛ إذ المعلوم منه أنّ الأشياء منها ما لا يصح بيعها إلّابالتقدير ، ولتوقّف رفع الجهالة عليها ، ومثلها لا ينبغي اختلاف البلدان ، بل لابدّ من الحكم بفساد فعل فاقدة التقدير ، ومنها لا يعتبر فيها ذلك فيجوز بيعها مقدّرة وبلا تقدير واختلاف البلدان في هذه ، بأن كان التعارف في بعضها التقدير وفي الآخر العدم غير قادح في عدم الربا فيها ؛ لعدم اشتراط صحّة بيعها بالتقدير ، فيجوز بيعها بدونه في بلاد التقدير ، فلم يتحقق شرط الربا . ودعوى إمكان توقّف رفع الجهالة على التقدير في بلاد دون أخرى يمكن منعها حينئذٍ ، فمفروض المسألة حينئذٍ لابدّ وأن يكون من الثاني ، حملًا لأفعال المسلمين على الصحة ، فلا يجري فيه الربا ، بل احتمال ذلك فيه كافٍ في رفع الحرمة . ولكن قد يدفع ذلك كلّه وغيره بالإجماع المركّب إن لم يكن البسيط ؛ إذ الأقوال في المسالة ثلاثة ، أشهرها ما عرفت .
هامش
( 1 ) في الشرائع : « اختلف » .
( 2 ) المبسوط 2 : 90 . المهذب 1 : 363 .
( 3 ) الوسائل 18 : 158 ، ب 17 من الربا ، ح 12 .
( 4 ) تقدّم في ص 308 .