تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جواهر الكلام في ثوبه الجديد — صفحة 565

مساهمون:

ص٥٦٥
. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
الظاهر هنا من حال السائل ، فإنّ المهمّ السؤال عنه باعتبار الصحّة ، خصوصاً بعد تجويز أهل الخلاف بيع الجزاف ، فإنّ ذلك ممّا يبعث على السؤال في حقّ الفقيه العارف ، كالحلبي الذي هو من فقهاء أصحاب الأئمّة عليهم السلام ، وأوّل من صنّف في الفقه على ما قيل « 1 » . ولا ينافي ذلك الحكم بالكراهة في آخر الحديث ، فإنّها تستعمل في الكتاب والسنّة بمعنى التحريم والأعمّ منه ومن الكراهة بالمعنى الأخصّ استعمالًا كثيراً شائعاً ، فيحمل اللفظ عليه تحكيماً للصدر على العَجز ، بل لا إشكال أصلًا ، بناءً على عدم ثبوت الحقيقة الشرعيّة فيها ، كما صرّح به جماعة ، وفي حديث أبي بصير في بيع المثلين من التمر بمثل هذا مكروه ، فقال أبو بصير : ولِمَ يكره ؟ قال : كان عليّ عليه السلام يكره أن يستبدل وسقاً من تمر المدينة بوسقين من تمر خيبر ، ولم يكن عليّ عليه السلام يكره الحلال « 2 » ، وقد قال اللَّه سبحانه :كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً« 3 » ، وأكثر المذكورات قبلها من أكبر المحرّمات . وثبوت الحكم في الطعام يقتضي ثبوته في غيره ممّا يكال أو يقدّر بغير الكيل ؛ لعدم القول بالفصل ، وللأولويّة في الموزون ، وظهور أنّ العلّة المنع من المجازفة فيطّرد الحكم في الجميع ، والتقييد بالطعام في الجواب مع كونه بالمفهوم الضعيف تنصيص على محلّ الحاجة ، وهو مورد السؤال ، فلا يقتضي تقييد الحكم ، وليس في السؤال تصريح بكيل البائع العدل الثاني حتى ينافي ما ثبت من جواز الاعتماد على إخباره . وقوله : « فإنّ فيه مثل العدل الآخر » ، ليس نصّاً في وقوع التقدير بالكيل ، فيحمل على إرادة التخمين والمقايسة بين العدلين ؛ لتشابههما وتقاربهما في السعة ، ولذا لم يتعرّض لذلك في العدل الأوّل ولا للآخر من أوّل الأمر ، بل بعد ما عرف الكيل الأوّل . والمراد من قوله : « ما كان من طعام سمّيت فيه كيلًا » ما كان مكيلًا سمّي فيه الكيل ، ويطلق عليه اسم المكيل ، فالوصف غير مخصّص ، أو المقصود منه الاحتراز عمّا لا يكال من المطعوم . وليس المراد ما بنى عقده على الكيل وسمّي فيه الكيل عند البيع وإن أوهمه ظاهراً ؛ لأنّ المنع عن المجازفة فيه معلوم بالضرورة ؛ لأخذ التقدير في بيعه ، فلا يعقل جوازه بدونه ، ومقام هذا السائل الجليل يجلّ عن السؤال عن مثله ، نعم يحسن السؤال حينئذٍ عن جواز التعويل على إخبار البائع ، وحيث امتنع ذلك - كما عرفت - تعيّن أن يكون المراد ما قلنا . ومنه يعلم ما فيه مناقشة المحقّق الأردبيلي « 4 » في الخبر المزبور ، حتى أنّه بعد أن حصر الدليل فيه وناقش بما عرفت ضعفه ربّما ظهر منه الميل إلى الجواز ، بل لعلّه صار سبباً لجرأة غيره على ذلك أيضاً ، لكن قد سمعت دلالته وغيره على المطلوب ، الذي قد يؤيّد - مضافاً إلى ما ذكرناه من الأدلّة - بظواهر الآيات المتضمّنة للأمر بالوزن « 5 » وإقامته « 6 » ونزول الميزان « 7 » ووضعها « 8 » ، والأخبار الدالّة على وجوب تقدير المسلَم فيه بالكيل والوزن « 9 » ، فإنّ السلف نوع من البيع ، وكذا ما دلّ على المنع من الطعام المبتاع قبل أن يكال أو يوزن « 10 » ، بحمله على انتفائهما في البيع الأوّل ؛ لوجود المعارض ، وعدم ظهور وجه التحريم في غيره ، وما تضمّن المنع من البيع بصاع غير صاع المصر كما رواه الحلبيّان « 11 » ، فإنّ إطلاق المنع منه يتناول صورة العلم بالمغايرة ، ولا وجه له سوى تحريم المجازفة ، وكذا ما ورد من اعتبار المعدود والموزون بالكيل إذا تعذّر عدّه ووزنه « 12 » ؛ إذ لو صحّ
هامش
( 1 ) مصابيح الأحكام : 563 ( مخطوط ) . ( 2 ) الوسائل 18 : 151 ، ب 15 من الربا ، ح 1 . ( 3 ) الإسراء : 38 ، 35 . ( 4 ) مجمع الفائدة والبرهان 8 : 176 - 177 . ( 5 ) الإسراء : 38 ، 35 . ( 6 ) الرحمن : 9 ، 7 . ( 7 ) الحديد : 25 . ( 8 ) الرحمن : 9 ، 7 . ( 9 ) انظر الوسائل 18 : 295 ، ب 6 من السلف . ( 10 ) انظر الوسائل 17 : 341 ، ب 4 من عقد البيع وشروطه . ( 11 ) الوسائل 17 : 347 ، ب 6 من عقد البيع وشروطه ، ح 2 . ( 12 ) الوسائل 17 : 348 ، ب 7 من عقد البيع وشروطه ، ح 1 .