. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
فالعلم يتبع حصول ذلك التقدير ، وبيعه بدونه خرص وتخمين ، وليس من العلم في شيء ، ومن ثَمّ اتّفقت الكلمة على تسميته جزافاً ، وهو بنصّ أهل اللغة الأخذ بالحدس والمساهلة في الأمر من غير تحقيق ، فالمشاهدة إن أريد أنّها تقوم مقام التقدير في حصول العلم فالحسّ يكذبه والعرف يقضي بخلافه ، وإن أراد حصول المعرفة الإجماليّة بها فهو مسلّم ، لكن لا يجدي نفعاً في الصحّة لبقاء الجهالة وانتفاء شرط المعلوميّة . لا يقال : المنفي في هذا الفرض المعلوميّة من كلّ وجه وليست شرطاً ، وإلّا لما صحّ شيء من البيوع لخلوّها عن الإحاطة التامّة ، وإنّما الشرط معلوميّة الشيء في الجملة ، وهي حاصلة بالمشاهدة . لأنّا نقول : كما امتنع أن يراد بالعلم بالمشترط المعلوميّة من كلّ وجه فكذا يمتنع أن يراد به المعلوميّة في الجملة ، وأنّها لو كانت كافية في صحّة البيع لزم أن لا يفسد شيء من البيوع بفقد شرط العلم ؛ لامتناع المجهول المطلق ، وحيث بطل هذان المعنيان ثبتت الواسطة بينهما وهي معلوميّة الشيء بحسب العادة ، بمعنى ارتفاع الجهالة عنه كذلك وعدّه معلوماً فيها على الإطلاق وإن انتفت الإحاطة به من كلّ وجه ، فإنّها اللازم من بطلان الطرفين المتقابلين ، ومن تحكيم العرف والعادة فيما لم يرد فيه تحديد من الشرع . ولا ريب أنّ معلوميّته بحسب العادة إنّما يحصل بتقديره بما هو المعتاد فيه ، فلو انتفى كما في بيع المكيل والموزون من غير كيل ووزن انتفت المعلوميّة بالمعنى المراد .
ثالثها : حديث الغرر « 1 » ، فإنّه كما يدّل على أصل اشتراط العلم بالعوضين فكذا على وجوب تقديرهما بالأمر المعتاد فيهما ، وذلك لأنّ ما يقدّر في العادة بالكيل والوزن مثلًا يختلف فيه الثمن بحسب اختلاف مقداره كيلًا ووزناً ، وما يختلف الثمن باختلاف التقدير فيه لا يرتفع عنه الغرر والمخاطرة إلّابذلك التقدير ؛ إذ المشاهدة إنّما يرتفع بها الغرر الحاصل من اختلاف الجنس والوصف ، بخلاف المقدار فإنّه لا يدرك بالحسّ والخرص فيما يقدّر عادة خلاف المعتاد ، فالاختلاف الحاصل من قبله غرر منفي ، بخلاف ما يحصل من اختلاف الموازين والمكاييل فإنّه عادي مغتفر في العادة ، وقد علمت أنّ الغرر المنفي هو الاختلاف الذي لا يتسامح به عرفاً وعادة وإن قلّ ، وأنّ المتسامح به ليس بغرر أو غرر مغتفر ، والاختلاف الحاصل بالكيل والوزن من هذا القبيل ، وكذا الحاصل بالمشاهدة فيما جرت العادة بالاكتفاء بها ، سواء كان التقدير فيه غير ملحوظ أصلًا كما في بيع الأناسي من العبيد أو مقصوداً كما في بيع الثمار والأشجار وبيع الحيوان المقصود منه اللحم ، فإنّ المقدار وإن كان مراعى فيه في الجملة ، إلّاأنّه لمّا جرت العادة بالاكتفاء فيه بالمشاهدة جاز بيعه كذلك وإن أمكن الوزن وسهل الاختبار .
ورابعها : ما رواه المشايخ الثلاثة رحمهم الله بطرق متعدّدة منها الصحيح الواضح والراجح والحسن كالصحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في رجل اشترى من رجل طعاماً عِدلًا بكيل معلوم ثمّ إنّ صاحبه قال للمشتري : إبتع منّي هذا العدل الآخر بغير كيل فإنّ فيه مثل ما في الآخر الذي ابتعته ، قال : « لا يصلح إلّاأن يكيل ، وقال : ما كان من طعام سمّيت فيه كيلًا فإنّه لا يصلح مجازفة ، هذا ممّا يكره من بيع الطعام » « 2 » .
فإنّ المفهوم من نفي الصلاح عرفاً ولغة ثبوت الفساد ، كما يشهد له غلبة استعماله في ذلك في النصوص ، بل لعلّ ذلك هو
هامش
( 1 ) تقدّم في ص 563 .
( 2 ) الكافي 5 : 179 ، ح 4 . الفقيه 3 : 209 ، ح 3781 . التهذيب 7 : 36 ، ح 148 . الوسائل 17 : 342 ، ح 4 من عقد البيع وشروطه ، ح 2 .