. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
ثمّ حكى عن التذكرة : « أنّ المشهور بين علمائنا أنّه لا يصحّ بيع الآبق وإن عرف مكانه ، وقال بعض علمائنا بالجواز » ، وقال : « هذا محمول على الجواز حيث يتحقّق الشرط ، ويدلّ عليه تصريحه بالإجماع على اشتراط القدرة على التسليم في صحّة البيع قبل ذكره الخلاف ، والظاهر أنّ هذا البعض الذي نسب إليه القول بالجواز هو ابن الجنيد ، فيجب تنزيل ما حكاه عنه على ما عرفته من المحكي عنه سابقاً ليتوافق النقلان » « 1 » .
ولا يخفى عليك ما فيه .
وعلى كلّ حال فالظاهر أنّ الإباق من حيث كونه إباقاً لا يمنع البيع ؛ لما عرفت من جوازه إذا كان في يد المشتري أو قادراً عليه أو كان البائع قادراً عليه فإنّ الظاهر الصحّة وإن تحقق الإباق ؛ لإطلاق الأدلّة السالم عن معارضة ما عدا إطلاق المنع من بيع الآبق ، المحمول على غير ذلك ، قال في محكيّ نهاية الإحكام : « ولو عرف مكان الآبق وعلم أنّه يصل إليه إذا رام الوصول إليه فليس له حكم الآبق » « 2 » .
وفي المسالك : « وإنّما يمتنع بيع الآبق مع تعذّر تسليمه ، فلو أمكن صحّ وإن سمّي آبقاً » « 3 » . إلى غير ذلك من عباراتهم ، بل قيل : في مصابيح العلّامة الطباطبائي : « ظاهرهم أنّه لا خلاف في ذلك » « 4 » .
وهو كذلك ؛ لاتّفاق أصحابنا على أنّ القدرة على التسليم شرط في صحّة البيع ، وأنّ المنع من بيع الآبق لتعذّر تسليمه ، كما ينبّه عليه استدلالهم به على المنع وتفريع المنع عليه وجعله من توابع هذا الشرط ، ومعلوم أنّ مجرّد الإباق لا يقتضي تعذّر التسليم ، فإنّ منه ما يتعذّر تسليمه ومنه ما لا يتعذّر ، والمانع يجوّز الثاني ؛ لوجود الشرط ، والمجيز يمنع الأوّل لفقده ، فارتفع النزاع ، وعاد الخلاف إلى الوفاق ، ولم يبق إلّاإطلاق المنع الموهم لإرادة المنع على الإطلاق ، والخطب فيه هيّن بعد وضوح المراد .
قلت :
قد يقال : إنّ ظاهر النصّ والفتوى المنع من بيع الآبق المجهول الحصول لا خصوص المتعذّر تسليمه .
ومن ذلك يتّجه أنّه لا وجه لتعليل المنع من بيعه بتعذّر تسليمه ، بل ولا تفريعه على اشتراط القدرة على التسليم ، بناءً على ما سمعته منّا في بيان المراد من ذلك ، وإلّا لم تجد الضميمة في رفع هذا المانع ، كما هو ظاهر النصّ .
فالمتّجه حينئذٍ الاستناد في المنع منفرداً والجواز منضمّاً إلى النصّ والإجماع ، مع أنّك قد سمعت سابقاً وتسمع لاحقاً احتمال المراد منهما .
وليس القول بأنّ الأصل يقتضي عدم جواز بيع الآبق منفرداً ومنضمّاً ؛ لعدم القدرة على التسليم بأولى من القول بالعكس الذي قد سمعته .
بل قد يشهد له ما سمعته سابقاً من تجويز بعضهم بيع ما هو كالآبق من الضالّ ونحوه من دون ضمّ ، كما تقدّم الكلام فيه .
هامش
( 1 ) مصابيح الأحكام : 553 ( مخطوط ) .
( 2 ) نهاية الإحكام 2 : 481 .
( 3 ) المسالك 3 : 172 .
( 4 ) مصابيح الأحكام : 554 ( مخطوط ) .