. . . . . . . . . . . . . . . .
شرح
وممّا ذكرنا تعرف الوجه في كلام جملة من الأصحاب ، فإنّه قد وقع الاختلاف بينهم في هذه المسألة على وجه لم نعثر على نظيره في مسألة من مسائل الوقف ، كما لا يخفى على من لاحظ ما حكاه الشهيد وغيره عنهم في غاية المراد « 1 » وغيرها .
فعن ابني الجنيد والبرّاج في جواهر الفقه إطلاق المنع من بيعه « 2 » ، وعن ابن إدريس التصريح بعموم المنع في المؤبّد والمنقطع ولو مع خرابه أو وقوع خلف بين أربابه ، ونزّل خلاف الأصحاب على الثاني « 3 » ، وقال في الأوّل : « لا يجوز بيعه بغير خلاف » . وعن فخر المحقّقين : أنّه لا يصحّ بيع الوقف بحال « 4 » . والشهيد في الدروس قوّى المنع مطلقاً بعد اختيار الجواز « 5 » ، كما ستقف على كلامه . وعن الصدوق وأبي الصلاح وابن البرّاج في المهذّب التفصيل بين المؤبّد والمنقطع « 6 » ، فمنعوه في الأوّل مطلقاً ، وأجازوه في الثاني على بعض الوجوه .
ولكن اختلفوا في شرط الجواز ، فجعله الصدوق اختلاف الأرباب ، كما تضمّنه حديث علي بن مهزيار « 7 » الوارد في الباب أو أحد الأمرين من اختلاف الأرباب وكون البيع خيراً لأصحابه ، كما يقتضيه إيراده لما تضمّن الثاني أيضاً ، مع ضمانه العمل بما يورده في صدر كتابه ، وظاهر أبي الصلاح : أنّ الجواز يتبع شرط الواقف ، فيجوز للموقوف عليهم بيع الوقف إذا جعل الواقف ذلك إليهم ، ونصّ على الجواز إذا جعل إليهم البيع عند الحاجة أو خراب الوقف .
واشتراط ابن البرّاج في جواز بيعه أن يكون بأربابه حاجة ضروريّة يكون بيعه معها أصلح لهم ، أو حصول الخوف من هلاكه أو فساده ، أو وقوع خلاف يؤدّي إلى الفساد على تقدير بقائه ، قال : فإن لم يحصل شيء من ذلك لم يجز بيعه أيضاً على وجه من الوجوه .
وقال المفيد : « ليس لأرباب الوقف بأن يتصرّفوا ببيع أو هبة ولا يغيّروا شيئاً من شروطه إلّاأن يخرب الوقف ولا يوجد من يراعيه بعمارة عن سلطان وغيره أو يحصل بحيث لا يجدي نفعاً فلهم حينئذٍ بيعه والانتفاع بثمنه ، وكذلك إن حصلت لهم ضرورة إلى ثمنه كان لهم حلّه ، ولا يجوز ذلك مع عدم ما ذكرناه من الأسباب والضرورات » « 8 » .
وقال الشيخ في النهاية : « ولا يجوز بيع الوقف ولا هبته ولا الصدقة به ، إلّاأن يخاف على الوقف هلاكه أو فساده ، أو كان بأرباب الوقف حاجة ضروريّة كان معها بيع الوقف أصلح لهم وأعود عليهم ، أو يخاف وقوع خلاف بينهم فيؤدّي ذلك إلى وقوع فساد بينهم ، فحينئذٍ يجوز بيعه وصرف ثمنه بينهم على ما يستحقّونه من الوقف » « 9 » .
وفي المبسوط : « وإنّما يملك أي الموقوف عليه بيعه على وجه عندنا ، وهو أنّه إذا خيف على الوقف الخراب
هامش
( 1 ) غاية المراد 2 : 23 - 25 .
( 2 ) نقله عن ابن الجنيد في المختلف 6 : 287 . جواهر الفقه : 139 .
( 3 ) السرائر 3 : 153 .
( 4 ) الايضاح 2 : 392 .
( 5 ) الدروس 2 : 279 .
( 6 ) الفقيه 4 : 241 - 247 ، ذيل الحديث 5575 . الكافي : 325 . المهذب 2 : 92 .
( 7 ) الوسائل 19 : 188 ، ب 6 من الوقوف والصدقات ، ح 6 .
( 8 ) المقنعة : 652 .
( 9 ) النهاية : 599 - 600 .