[ والأحسن أن يقال بالمنع من الولاية على المحرّمات أو الممزوجة بالحرام والحلال ، وبالجواز في الولاية على المباح كجباية الخراج ونحوه ممّا جوّز الشارع معاملة الجائز فيه معاملة العادل ] [ 1 ] .
[ وأمّا الدخول للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ أنفس المؤمنين وأموالهم وأعراضهم وإدخال السرور وعليهم فهو مرغوب فيه ] . نعم لا يخلو الثاني منها [ / الولاية على المباح ] عن الكراهة [ 2 ] .
شرح
[ 1 ] بل ستسمع إن شاء اللَّه فيما يأتي أنّ المشهور بين الأصحاب وجوب معاملته بالنسبة إلى ذلك [ / جباية الخراج ] ، فالولاية منه حينئذٍ على ذلك نحوه كالتناول من يده والتقبّل منه ونحو ذلك . ولا تشريع فيه بعد فرض اعتقاد الداخل - كالمتناول - إثم الجائر في ذلك ، وأنّه غاصب ظالم ، وأنّ الدخول والتناول ونحوهما إنّما كان بالإذن من الإمام العادل في زمن الغيبة ، وقصور اليد رأفةً على المؤمنين ، ورفعاً للضيق والحرج في هذا الزمان ونحوه من أزمنة التقيّة . وأمّا نصوص الترغيب « 1 » فعلى الدخول للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وحفظ أنفس المؤمنين وأموالهم وأعراضهم وإدخال السرور عليهم .
[ 2 ] باعتبار كونه كالإعانة لهم والدخول في زمرتهم ، بل هو شبه تولّي المؤمن الكافر ، ولما في القرب إليهم من المخاطرة على الدنيا والآخرة ، كما أومأ إليه خبر ابن مهاجر ، قال : قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام : فلان يقرؤك السلام وفلان وفلان ، قال : « وعليهم السلام ، قلت : يسألونك الدعاء ، قال : وما لهم ؟ قلت : حبسهم أبو جعفر ، فقال : وما لهم وما له ؟ فقلت : استعملهم فحبسهم ، فقال : « ما لهم وماله ؟ ألم أنههم ألم أنههم ألم أنههم ؟ هم النار هم النار هم النار ، ثمّ قال : اللهمّ اخدع عنهم سلطانهم » ، قال :
فانصرفنا من مكّة فسألنا عنهم ؟ فإذا قد اخرجوا بعد الكلام بثلاثة أيّام « 2 » . بل في المروي عن مستطرفات السرائر من كتاب مسائل الرجال عن أبي الحسن عليّ بن محمّد الهادي عليهما السلام أنّ محمّد بن عليّ بن عيسى كتب إليه يسأله عن العمل لبني العبّاس وأخذ ما يتمكّن من أموالهم هل فيه رخصة ؟ فقال : « ما كان المدخل فيه بالجبر والقهر ، فاللَّه قابل العذر ، وما خلا ذلك فمكروه ، ولا محالة قليله خير من كثيره - إلى أن قال : - فكتبت إليه في جواب ذلك اعلمه أنّ مذهبي في الدخول في أمرهم وجود السبيل إلى إدخال المكروه على عدوّه وانبساط اليد في التشفّي منهم بشيء أتقرّب به إليهم ، فأجاب : « من فعل ذلك فليس مدخله في العمل حراماً بل أجراً وثواباً » « 3 » . وهذا أحسن ما يقال في الجمع بين النصوص في المقام ، خصوصاً بعد انصراف نصوص المنع إلى ما هو الغالب ، من عدم تخلّص الداخل في ولاية شيء من أعمالهم عن المحرّم ، كما عرفت إيماء النصوص إليه ولو بإكراههم له على ذلك ؛ إذ قد يقال : إنّه لا يجديه هذا الإكراه في رفع الإثم عنه ، بعد أن كان دخوله في الولاية التي اقتضت ذلك باختياره الذي به يندرج في باب « ما بالاختيار لا ينافي الاختيار » ، والقدرة على سبب قدرة على المسبّب ، ولعلّ ذلك أولى من الجمع . بما أومأ إليه المصنّف من حمل نصوص المنع على عدم الأمن من اعتماد المحرّم ، والجواز على الأمن والاستحباب على الأمر بالمعروف مع ذلك ؛ إذ لم نجد في شيء من النصوص التصريح باعتبار الأمن في الجواز ، والقواعد لا تقتضيه ؛ ضرورة عدم حرمة الشيء باحتمال الوقوع في المحرّم . اللهمّ إلّاأن يريد بالأمن ما قلناه من الولايات على المباحات ونحوها ، ممّا لم يعتمد فيها فعلًا محرّماً ، ولا يكره عليه ، والأمر سهل بعد وضوح المقصود ، واللَّه أعلم .
هامش
( 1 ) انظر الوسائل 16 : 117 ، ب 1 من الأمر والنهي .
( 2 ) الوسائل 17 : 188 ، ب 45 ممّا يكتسب به ، ح 3 .
( 3 ) السرائر 3 : 583 . الوسائل 17 : 190 ، ب 45 ممّا يكتسب به ، ح 9 .